كيف أدت الحرب على إيران إلى تقويض اتفاقيات التطبيع؟

Abdelrahim Shalaby – Responsable statecraft:
بسبب الحرب على إيران، فقدت الاتفاقيات أحد أهم مبرراتها الاستراتيجية: الاعتقاد بأن المظلة الأمنية الأميركية وحدها قادرة على توفير الأمن والاستقرار لحلفائها في المنطقة.
سعت اتفاقيات التطبيع إلى تحقيق النجاح حيث فشلت عقود من المفاوضات. فمن خلال فصل التطبيع العربي مع “إسرائيل” عن القضية الفلسطينية، تجاوزت هذه الجهود المفهوم الأساسي لمبادرة السلام العربية لعام 2002، التي ربطت صراحةً التطبيع بإنشاء دولة فلسطينية على حدودها لعام 1967. ولم تُبدِ الاتفاقيات أي محاولة لمناقشة هذا المبدأ أو تعديله، بل تجاهلته تمامًا.
استند هذا النهج الأميركي إلى تبادل المصالح؛ فقد حصلت الإمارات العربية المتحدة والبحرين على الضمانات الأمنية التي طالما سعت إليها لحمايتهما من إيران، إلى جانب آفاق التعاون العسكري والتكنولوجي مع “إسرائيل”، وحصل المغرب على اعتراف أميركا بسيادته على الصحراء الغربية، مُلبيًا بذلك مطلب الرباط القديم.
أما السودان، فقد كان شغله الشاغل هو الخروج من قائمة واشنطن للدول الراعية للإرهاب وإنهاء العزلة الاقتصادية والمالية التي أثقلت كاهله طويلًا. وكان لكل طرف مطالبه، وكانت واشنطن مستعدة لدفع الثمن السياسي لتحقيقها.
وكانت مواقف الدول التي رفضت الانضمام إلى الاتفاقيات مُفيدة أيضًا. تمسكت المملكة العربية السعودية بمبدأ لا لبس فيه: لا تطبيع مع “إسرائيل” دون مسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية. ولم يكن بوسع المملكة أن تحيد عن هذا الموقف، مدركةً تماماً عواقب هذا التراجع على مكانتها في العالمين العربي والإسلامي.
كان لقطر وعُمان اعتباراتهما الخاصة. يستمد كلا البلدين نفوذهما في المنطقة من قدرتهما على الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، سواء أكانت الولايات المتحدة أو إيران أو غيرها من قوى “الشرق الأوسط”. وكان من شأن الانضمام إلى “اتفاقيات أبراهام” أن يُضعف هذه الميزة الجيوسياسية أو حتى يُزيلها تمامًا.
في غضون ذلك، رسّخت الكويت نهجها على التزام دستوري وسياسي راسخ، وأعلنت في مناسبات عديدة أنها ستكون آخر دولة عربية تُقيم علاقات دبلوماسية مع “إسرائيل”.
لم تُهمّش “اتفاقيات أبراهام” القضية الفلسطينية فحسب، بل أشارت أيضًا إلى أنها لم تعد تحتل مكانة بارزة بين الأولويات الإقليمية. وبينما كانت الفصائل الفلسطينية تُراقب موجة التطبيع تمتد من أبو ظبي وصولًا إلى الرباط، كانت الرسالة التي تلقتها واضحة: العالم العربي يمضي قدمًا، والقضية الفلسطينية تتلاشى.
لم تُهمّش “اتفاقيات أبراهام” القضية الفلسطينية فحسب، بل أشارت أيضًا إلى أنها لم تعد تحتل مكانة بارزة بين الأولويات الإقليمية
يمكن فهم 7 أكتوبر/تشرين الأول بشكل أساسي على أنه رفض عنيف لهذا المسار. فقد رأت الفصائل الفلسطينية المسلحة أن مسار الأحداث كان مُهيأً لتهميش القضية الفلسطينية وإزالتها من الأجندة الإقليمية والدولية. لم يجدوا سبيلاً آخر لوقف هذا المسار سوى صدمة هائلة تهز المنطقة من جذورها. وفي النهاية، كانت لهذه الصدمة آثار كارثية امتدت أصداؤها في أرجاء المنطقة، وكانت غزة هي الأكثر تضرراً.
لكن هذه الأحداث كشفت حقيقة جوهرية: أي نظام إقليمي يحاول تجاوز القضية الفلسطينية هش، وسرعان ما تنكشف مواطن ضعفه. وكانت مأساة غزة الدليل الأوضح على ذلك، ثم جاءت حرب إيران عام 2026، والاتفاقيات التي نتجت منها، والتي كشفت عن تحول جوهري.
بات من الواضح الآن أن الضمانات الأمنية التي قامت عليها “اتفاقيات أبراهام” كانت أقل متانة بكثير مما بدت عليه في البداية، وأن المحاولات السابقة لاحتواء إيران فشلت في تحقيق أهدافها.
في الواقع، كشفت الحرب أن إيران أصبحت قوة رائدة في “الشرق الأوسط” لا يمكن استبعادها من أي إطار أمني في الخليج.
وبسبب الحرب، فقدت الاتفاقيات أحد أهم مبرراتها الاستراتيجية: الاعتقاد بأن المظلة الأمنية الأميركية وحدها قادرة على توفير الأمن والاستقرار لحلفائها في المنطقة.
كشفت الحرب أن إيران أصبحت قوة رائدة في “الشرق الأوسط” لا يمكن استبعادها من أي إطار أمني في الخليج.
لا ينبغي أن يكون انهيار هذا الأساس الاستراتيجي لاتفاقيات أبراهام مفاجئًا. بالنسبة إلى من يؤمنون بأن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بحل عادل للقضية الفلسطينية، فإن هذا الواقع ليس مدعاةً للقلق، بل هو تذكير بأن أي بناء قائم على أساس هش لا يدوم. اليوم، لم يعد السؤال ما الذي خسرناه، بل من استفاد من المسار القديم؟
يُعتقد أن اليهود والعرب ينحدرون، على التوالي، من إسحاق وإسماعيل، الابنين الأولين لإبراهيم. جلس أحفاد إسحاق الإسرائيليون على طاولة المفاوضات، بينما بقي أبناء إسماعيل الفلسطينيون خارجها. لم يكن هذا مجرد تفصيل في صياغة الاتفاقيات، بل كان خللاً جوهرياً حكم عليها بالفشل منذ البداية. وما شهدناه لاحقاً كان نتيجة طبيعية لهذا الخلل.
اليوم، بات من الضروري إيجاد إطار جديد، إطار يمكننا تسميته “اتفاقيات أبناء إبراهيم”. إن الهدف هنا ليس مجرد تغيير الاسم، بل فلسفة مختلفة ترتكز على حقيقة أساسية: أن أي سلام جدير باسم إبراهيم يجب أن يعترف بالطرفين، بالشعبين، وبحقوق كليهما في الأرض والكرامة. إن إرساء مسار جاد نحو إقامة دولة فلسطينية ليس هبة، بل هو ركن أساسي لا غنى عنه يقوم عليه أي سلام دائم.
إن إرساء مسار جاد نحو إقامة دولة فلسطينية ليس هبة، بل هو ركن أساسي لا غنى عنه يقوم عليه أي سلام دائم
لن تكون اتفاقيات أبناء إبراهيم احتفالًا عابرًا في البيت الأبيض، بل ستكون عملية سياسية أطول وأكثر صعوبة؛ عملية ترسي مسارًا لا رجعة فيه نحو قيام دولة فلسطينية مقابل التطبيع مع “إسرائيل”.




