رأي

كل هذه الحملة الإسرائيلية على قطر

صدام الكمالي – العربي الجديد:

لم يتوقف التحريض الإسرائيلي على دولة قطر منذ بدأت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وقبل ذلك حتى بزمن، حيث كانت الحملة على الدوحة تهدأ شرارتها قليلاً، لكنها سرعان ما تعود أكثر حدّة، في مشهد يبدو كأن أدواره موزّعة بين مسؤولي حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو ورموزها السياسية والإعلامية. يتناوب هؤلاء على مهاجمة قطر وتشويه أدوارها، تارةً باتهامها بدعم حركة حماس، وأخرى باتهامها بمحاولة الإضرار بإسرائيل، وصولاً إلى مزاعم أطلقها زعيم حزب “بياحد” الإسرائيلي، نفتالي بينت، في مؤتمر نظمته صحيفة يديعوت أحرونوت يوم الاثنين (27/7/2026)، بأن الدوحة أنشأت “شبكة نفوذ عالمية للقضاء على إسرائيل”، وهي سياسة مدروسة لزجّ اسم قطر ضمن حملات الدعاية الداخلية قبل الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في أكتوبر المقبل.

وهكذا، تتبدّل الذرائع والأصوات، فيما يبقى الهدف واحداً، شيطنة قطر والتحريض عليها، خصوصاً أن الدوحة تقود حالياً مع إسلام أباد، جهوداً مضنية لوقف الحرب الأميركية على إيران. وفي موازاة هذا، تحوّلت حملة التحريض الإسرائيلية إلى خطاب سياسي وإعلامي متكامل يستهدف الدوحة وأدوارها الإقليمية الواضحة للعيان من قيادة جهود التوسّط لوقف حرب الإبادة في غزّة، إلى لعب دور محوري في محاولة وقف حرب إيران، وقبل ذلك مساعدة الولايات المتحدة في الخروج من أطول حروبها تاريخياً في أفغانستان، وغيرها الكثير.

لافت أن الحملة الإسرائيلية انتقلت لتطاول مؤسسات وشخصيات عامة، في محاولة لتشويه صورة قطر وسيطاً يحظى بثقة دول العالم، لتكون أحدث فصول هذه الحملة مع نفي قطر رسمياً ما بثته وسائل إعلام إسرائيلية من تقارير زعمت موافقة الدوحة على المشاركة في عمل عسكري ضد إيران. وقد أكد مكتب الإعلام الدولي في قطر رفض الدوحة تلك التقارير (16/7/2026)ووصفها بأنها “باطلة”، مؤكداً أنها تهدف إلى جرّ قطر إلى الصراع وتقويض دورها المحوري في الوساطة.

 لم يعد الاستهداف الإسرائيلي موجهاً إلى السياسة الخارجية القطرية وحدها، بل اتسع ليشمل رموزاً في الدولة

ولا تبدو هذه الواقعة منفصلة عن مسار الحملة ضد الدوحة، بل تأتي ضمن سلسلة متصاعدة من التحريض عبر تقارير في وسائل الإعلام العبرية أو تصريحات مسؤولين إسرائيليين، وفي مقدّمتهم بنيامين نتنياهو، في مجملها ترى في قطر خطراً يهدد مستقبلها، والسبب كما يدّعي الإسرائيليون “نفوذ قطري خفي داخل الولايات المتحدة، وتأثير في الجامعات ووسائل الإعلام الأميركية”.

ما نشرته وسائل الإعلام العبرية في الأشهر الماضية يؤكّد أن الاستهداف لم يعد موجهاً إلى السياسة الخارجية القطرية وحدها، بل اتسع ليشمل رموزاً في الدولة، إذ خصّصت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن الشيخة موزا بنت ناصر رئيسة مجلس إدارة مؤسسة قطر، وقدمتها باعتبارها إحدى الشخصيات الأكثر تأثيراً ضد إسرائيل، مستندة في هذه المزاعم إلى حضورها في مجالات التعليم والثقافة والعمل الإنساني، وما تمثله مؤسسة قطر ومبادراتها التعليمية من نفوذ أكاديمي متنامٍ في الغرب. وطاول التحريض الإسرائيلي أيضاً عبر صحيفة معاريف، المفكر العربي عزمي بشارة، إذ ذهبت الصحيفة إلى حد اعتباره “أخطر على إسرائيل من أردوغان وخامنئي”، مستندة في هذا إلى تأثيره الفكري والإعلامي في التعريف بالرواية الفلسطينية داخل الأوساط الأكاديمية والسياسية الغربية. ولم يكن استهداف بشارة، كما استهداف الشيخة موزا، منفصلاً عن محاولة أوسع لتصوير كل إنتاج معرفي أو إعلامي أو أكاديمي يرتبط بقطر باعتباره جزءاً من “منظومة معادية”، في وقت تواجه فيه إسرائيل تراجعاً غير مسبوق في صورتها الدولية نتيجة حرب الإبادة على غزة.

في المحصلة، تخشى إسرائيل من علاقات قطر الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ومحافظتها على قنوات اتصال مع حركة حماس تمكنها من لعب دور مؤثر في غزّة، وأيضاً علاقات الدوحة المتوازنة مع طهران ودول الإقليم، ما يمنحها قدرة يصعب تعويضها في جهود الوساطة. غير أن هذه القدرة أصبحت مصدر قوة تزعج حكومة نتنياهو، ومرد ذلك أن قطر استطاعت أن تجعل نفسها وسيطاً مستقلاً ونزيهاً لا يتحوّل أداة لفرض الشروط الإسرائيلية على الأطراف الأخرى من غزّة إلى إيران.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى