رأي

كارثة الزلزال.. لماذا قبل المغرب مساعدات من دول ورفضها من أخرى؟

عقب الزلزال الذي ضرب المغرب قبل أيام، انتشرت الكثير من المقاطع المصورة التي تروي فداحة الكارثة. ومن بين هذه المقاطع فيديو يظهر فيه رجل مسن ومن حوله ركام منازل سويت بالأرض في قريته القريبة من طريق تيزي نتاست بإقليم تارودانت، قرب أغادير.

وظهر الرجل المسن في المقطع وهو يصرخ “لا يأتي أحد لمساعدتنا” فيما قال المصور إن الرجل ونجله وخمسة آخرون كانوا يحاولون إنقاذ جيرانهم العالقين تحت المباني المنهارة.

وتابع الرجل “العديد من الضحايا ظلوا تحت الأنقاض حتى ماتوا” فيما صرخت سيدة في فيديو آخر نُشر على موقع انستغرام، قائلة “لا يوجد أحد هنا. لا خيام ولا مساكن أخرى… نعيش على التبرعات فقط. أين المسؤولون؟”.

وأثارت هذه المقاطع تساؤلات بين المغاربة حيال سبب قبول الحكومة المساعدات من أربع دول فقط هي الإمارات وإسبانيا وقطر وبريطانيا؛ رغم أن حوالي 60 دولة أخرى عرضت تقديم مساعدات في عمليات الإغاثة في أعقاب الزلزال.

وربما بسبب غرابة الأمر، حظيت هذه القضية باهتمام الصحف ووسائل الإعلامية الدولية وهو ما دفع حكومتي فرنسا وألمانيا إلى نفي أن رفض المغرب لمساعدتهما كان قرارا سياسيا.

ونقلت صحيفة لوموند الفرنسية عن مسؤولين من المغرب قولهم إنهم انزعجوا، مشيرين إلى أن المسؤولين الفرنسيين “يعاملونهم كما لو كانوا من دول متخلفة”، على حد وصف الصحيفة.

ويرى مراقبون أن المغرب كدولة ذات سيادة فإنها صاحبة القول الفصل. فيما يتفق خبراء في مجال الاستجابة للكوارث أن بعض جهود الإنقاذ الدولية قد تكون سياسية بطريقة ما، وأنها تتسم بالتعقيد وتشارك فيها الكثير من المنظمات والأطراف الفاعلة فيما يعتمد الأمر أيضا على ظروف أخرى.

لكن في المقابل، هناك بعض القواعد حيال قضية جهود الإنقاذ الدولية والمساعدات الطارئة عقب الكوارث وضعها الصليب الأحمر والهلال الأحمر بين عامي 2001 و2007. وحسمت هذه المبادئ التوجيهية القضايا الخلافية التي أعاقت عمليات الإنقاذ الدولية في الماضي.

وبموجب هذه المبادئ، فإن جهود الإنقاذ والاستجابة للكوارث يجب أن تشرع فيها السلطات المحلية ثم تأتي فرق الإنقاذ الدولية بعد أن تقوم الحكومة التي وقعت بها الكارثة بتوجيه دعوة لمساعدة فرقها المحلية.

المساعدات الخارجية.. كيف يتم قبولها؟

ومع تصاعد الجدل حيال هذا الأمر عقب كارثة زلزال المغرب، خرجت وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا قائلة: “بادئ ذي بدء، هناك فرق بين المنظمات الخاصة والمنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية من جهة والمنظمات التي تمولها الدول مثل الوكالة الفيدرالية للإغاثة الفنية في ألمانيا. لذا يجب احترام ذلك”.

وفي ردها على التكهنات بأن العلاقات الدبلوماسية المتوترة مع المغرب ربما دفعت الأخير إلى رفض المساعدة الفرنسية، قالت الوزيرة “إنه جدل سيء وفي غير محله.. المغرب لم يرفض أي مساعدة أو أي عرض، لا يجب تقديم الأمور على هذا النحو”. وشددت على أن “المغرب يتمتع بالسيادة وأنه وحده قادر على تحديد احتياجاته ووتيرة حصوله على المساعدات”.

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقد ندّد بالجدل الدائر حول العلاقات بين باريس والرباط حيث قال في رسالة مصوّرة خاطب فيها الشعب المغربي “من الواضح أنّه يعود إلى جلالة الملك والحكومة المغربية، بصورة سيادية بالكامل، تنظيم المساعدات الدولية، وبالتالي نحن بتصرّف خيارهما السيادي”.

وأضاف الرئيس الفرنسي في مقطع الفيديو الذي نشره على منصّة إكس (تويتر سابقا) أنّ “هذا ما فعلناه بطريقة طبيعية تماماً منذ اللحظة الأولى، وبالتالي واحتراما للجميع أودّ أن تصمت السجالات التي تفرّق وتعقّد الأمور في هذا الوقت المأسوي للغاية”.

ومن بين الدول التي عرضت تقديم مساعدات إلى المغرب كانت الجزائر حيث أعلنت على لسان وزارة خارجيتها استعدادها للقيام بـ “مخطط طارئ” يتضمن إرسال فرق بحث وإنقاذ وأخرى طبية، إضافة إلى مساعدات إغاثية، حال وافقت الرباط على ذلك.

وبعد يومين من هذا الإعلان ذكرت الوزارة أنها تلقت ردا رسميا من المغرب يفيد بعدم حاجته إلى المساعدات الإنسانية المقترحة من جانب الجزائر عقب الزلزال.

ويقول مراقبون إن الأمر يعتمد على الظرف، لكن المنظمات غير الحكومية بإمكانها البدء في المساعدة دون حصولها على إذن من الدول المتضررة من الكوارث. وعلى وقع ذلك، تمكنت منظمة “أطباء بلا حدود” من إرسال بعض الأشخاص بعد وقوع الزلزال مباشرة إلى المغرب نظرا لأنه يمكن لمواطني الدول الأوروبية الحصول على تأشيرة عند الوصول.

وفي ذلك، قال كريستيان كاتزر، مدير فرع منظمة “أطباء بلا حدود” في ألمانيا، إن أعضاء فرق المنظمة يسافرون كمواطنين عاديين حيث “يتواجدون على أرض الواقع هناك بشكل أساسي لتقييم الوضع بسرعة لمعرفة ما إذا كانت هناك حاجة لمساعدتنا”.

وفي مقابلة مع  DWأضاف “إذا رصدنا أن هناك فجوة، فإننا نتوجه إلى القنوات الرسمية حيث نشرع بالاتصال بالهيئات الحكومية للحصول على إذن للدخول لبدء العمل رسميا.”

بيد أن الأمر يعد مختلفا بالنسبة للمنظمات والهيئات التي تمولها الدول مثل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إذ تكون هذه المنظمات ملتزمة بالقواعد الدولية المتعلقة بسيادة الدول ولا يمكنها الدخول دون حصول على إذن من الدول المتضررة.

كما أنّ لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي يلعب دورا رئيسيا في الاستجابة لحالات الطوارئ الدولية، فرقا في مختلف دول العالم.

لا خط ساخن للمساعدة

وفي مقابلة مع  DW، قال أحد موظفي مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إنه عند وقوع كارثة، يتم إخطار أعضاء فريق الاستجابة للطوارئ التابع للمكتب عن طريق رسائل ترسل إلى هواتفهم المحمولة حيث يقومون بعد ذلك بتسجيل الدخول إلى منصة إلكترونية لتنسيق الجهود.

وقد يقوم ممثلو الأمم المتحدة في الدول المتضررة من الكوارث بالاتصال بالسلطات المحلية لتقديم يد العون والمساعدة فيما يتم ذلك على نحو سريع.

الجدير بالذكر أن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية لا يمتلك خطا ساخنا يمكن الاتصال واللجوء إليه لطلب المساعدة من الأمم المتحدة، لكن عادة ما يكون هناك مواطنون محليون يعملون في إدارة الكوارث لديهم معرفة بكيفية الوصول إلى مسؤولي الأمم المتحدة.

وفي غضون ذلك، بدأ عمل المجموعة الاستشارية الدولية للبحث والإنقاذ التي تضم 90 دولة وتقوم بتنسيق بين 57 فريقا متخصصا في عمليات البحث والإنقاذ.

وتمتلك المجموعة فريق إنقاذ معتمد منذ عام 2014 فيما كان يتعين على فرق الإنقاذ المحلية إجراء اختبار يستمر حوالي 70 ساعة قبل السماح لهم بالمشاركة في جهود الإنقاذ.

أما فيما يتعلق بالفرق الدولية التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإنها عادة تكون على أهبة الاستعداد في المطارات خلال ساعات من وقوع الكارثة لمعرفة ما إذا كان جرى قبول عرض المساعدة أم لا.

ويبقى الجميع على اتصال عبر المنصة الإلكترونية التابعة لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية حتى يتمكنوا من الانتشار في أسرع وقت ممكن.

عوامل تحدد قبول المساعدات الدولية؟

وفي السياق ذاته، يقول مراقبون إن هناك عوامل تحدد مسألة قبول المساعدات الدولية في مجال الاستجابة للكوارث حيث يعتمد الأمر على حجم الكارثة وضراوتها ومدى انتشارها وما الأضرار التي لحقت بالمستشفيات وفرق الرعاية الصحية والإنقاذ، وهل فرق طوارئ محلية تتولى السيطرة على عمليات الإنقاذ أم الأمور خرجت عن سيطرتها؟

يشار إلى أنه عقب الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا في فبراير / شباط الماضي، قامت الحكومة التركية بتفعيل طلب المساعدة الخاص بالمجموعة الاستشارية الدولية للبحث والإنقاذ في غضون ساعات من وقوع الكارثة حيث شرع إلى البلاد 49 فريقا يضم 3500 شخص بالإضافة إلى كلاب إنقاذ.

لكن في الحالة المغربية، جرى إرسال قوات من الجيش للمساعدة الضحايا فيما أوضحت الحكومة إنها لا ترغب في نشر عدد كبير جدا من فرق الإنقاذ الدولية لأن ذلك قد يؤدي إلى نقص التنسيق مما يؤدي إلى “نتائج عكسية”، على حد تعبيرها.

يشار إلى أنه عقب زلزال عام 2004، أفادت تقارير أن رحلات الإغاثة عطلت المطارات بالمغرب فيما ألحقت فرق الإنقاذ أضرارا بالطرق، وهو الأمر الذي أشارت إليه وزارة الداخلية المغربية في بيانها عقب كارثة الزلزال.

وقالت الوزارة إن “السلطات المغربية أجرت تقييمًا دقيقًا للاحتياجات في الميدان، آخذة في الاعتبار أن غياب التنسيق في مثل هذه الحالات من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية.”

وأضاف البيان “استجابت السلطات المغربية لعروض الدعم التي قدمتها الدول الصديقة إسبانيا وقطر والمملكة المتحدة والإمارات العربية المتحدة، والتي اقترحت تعبئة مجموعة من فرق البحث والإنقاذ”.

الاعتبارات السياسية؟

وفي ضوء هذه المعطيات، لا يمكن إنكار البعد السياسي حيث توجد بين دول العالم اتفاقيات ثنائية وإقليمية للمساعدة في حالات الطوارئ حيث يمتلك الاتحاد الأوروبي ما يُعرف بــ “آلية الحماية المدنية” فيما تمتلك “رابطة دول جنوب شرق آسيا” المعروفة اختصار بـ “آسيان” كيانا مماثلا.

وقد تعيق الاعتبارات السياسية جهود الإنقاذ الدولية حيث تأخرت جهود الإغاثة الأممية لإنقاذ ضحايا الزلزال في سوريا حيث كانت الأمم المتحدة تنتظر حصولها على إذن من الحكومة السورية.

وعقب الزلزال المدمر الذي ضرب اليابان عام 2011، لم تقبل طوكيو سوى المساعدة من 24 دولة ومنطقة رغم أن 163 دولة عرضت المساعدة حيث لعبت السياسة دورا في ذلك فيما أدت البيروقراطية إلى تأخر وصول فرق الإنقاذ.

ورغم الجدل والاهتمام الإعلامي بالحالة المغربية، يتحفظ عدد من الخبراء على انتقاد الرباط حيث يفضلون الحديث بشكل غير رسمي.

وقال أحد خبراء الاستجابة للكوارث إن “هناك أمثلة متطرفة حيث تفضل الحكومة عدم التعاون مع منظمات الإغاثة وتفضل ترك شعبها في حالة من البؤس. وفي بعض الحالات، يكون هناك أيضا تحفظا في طلب المساعدة بسبب وجود اعتقاد بأن هذا من شأنه أن يُظهر الدولة وكأنها ضعيفة وغير قادرة على مواجهة الأزمة”.

بيد أن الخبراء يقولون إن هذا الاعتقاد يساور في الغالب الدول الاستبدادية وسط توقعات أن تتمكن منظمات الإغاثة من دخول المغرب قريبا بعد انتهاء الاستجابة الأولية لحالات الطوارئ.

يتزامن ذلك مع وصول فريق “مالتيزر إنترناشيونال” الألماني إلى مراكش لتفقد الوضع بعد كارثة الزلزال حيث يقوم الفريق حاليا بمسح المنطقة المنكوبة بالتعاون مع نظرائهم المغاربة لمعرفة ما يحتاجه المتضررين من الكارثة.

بدورها، قالت كيرستن بوكميلر، الأستاذة في الحوكمة والسياسة والقانون والخبيرة في إدارة الطوارئ بجامعة ميلرزفيل الأمريكية، إنه من الصعب في الوقت الحالي الوقوف على مدى نجاح المغرب في التعامل مع الزلزال.

وفي مقابلة مع  DW، أضافت “لدينا نوع من النقص في المعلومات، لذلك من الصعب عليّ تحديد مدى النجاح بصفتي مراقبة تعيش خارج البلاد. لكن الاستجابة في مجال الإنقاذ والبحث لن تكون سريعة لإنقاذ الأشخاص الذين دمرت حياتهم الكارثة ويسعون إلى إبقاء أحبائهم على قيد الحياة…. إنهم يتحسرون على أي فرصة ضائعة”.

المصدر: DW.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى