رأي

قمة بكين… إعادة رسم ميزان القوة العالمي أم هدنة موقتة؟

د.عائد الهلالي – السياسة الكويتية:

لم تكن زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين، ولقاؤه بالرئيس الصيني شي جين بينغ، مجرد محطة ديبلوماسية عابرة في سجل العلاقات الدولية، بل بدت أقرب إلى لحظة مفصلية في تاريخ النظام العالمي، الذي يعيش حالة من الاضطراب غير المسبوق.

فالعالم اليوم يقف على حافة تحولات كبرى، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع النزاعات العسكرية، وتتشابك فيها المصالح الستراتيجية مع الصراعات الجيوسياسية، مما جعل من “قمة بكين” حدثاً استثنائياً تتجاوز آثاره حدود واشنطن وبكين، إلى مجمل المشهد الدولي.

جاءت هذه الزيارة في توقيت شديد الحساسية، حيث تتصاعد الحرب في الشرق الأوسط، وتتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، بالتزامن مع استمرار الحرب الاقتصادية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين. فضلاً عن ملف تايوان الذي يمثل أخطر بؤر التوتر بين القوتين العظميين.

ومن هنا، فإن اللقاء لم يكن مجرد بحث في ملفات ثنائية، بل محاولة لإعادة ترتيب الأولويات الدولية، ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، قد تعيد تشكيل العالم بطريقة أكثر عنفاً.

أولى النتائج التي برزت من القمة تمثلت في تثبيت مبدأ إدارة التنافس بدلاً من الانفجار المباشر. فقد أدرك الطرفان أن الصدام الشامل بين أكبر اقتصادين في العالم لن يكون انتصاراً لأحد، بل انهياراً للنظام الاقتصادي العالمي بأكمله.

لذلك، حرص الجانبان على إرسال رسائل تهدئة محسوبة، تؤكد الرغبة في بناء علاقة مستقرة، حتى وإن بقيت الخلافات الجوهرية قائمة. هذه المقاربة لا تعني المصالحة، بل تعكس إدراكاً متبادلاً بأن تكلفة الحرب أكبر من مكاسبها.

اقتصادياً، حملت القمة مؤشرات مهمة على احتمال انفراج جزئي في الحرب التجارية. فقد ركز ترامب على ما وصفه بالمكاسب الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها صفقة محتملة لشراء الصين نحو مئتي طائرة من شركة صناعة الطائرات الأميركية الكبرى، إلى جانب توسيع مشتريات الطاقة، والمنتجات الزراعية الأميركية، فضلاً عن مناقشة تخفيف بعض القيود التجارية المفروضة على الشركات الأميركية.

هذه الرسائل كانت موجهة أيضاً إلى الداخل الأميركي، حيث يسعى ترامب إلى تقديم نفسه بوصفه رجل الصفقات القادر على تحويل الصراع إلى أرباح سياسية واقتصادية.

أما الملف الإيراني، فقد كان حاضراً بقوة خلف أبواب القمة، فواشنطن تدرك أن بكين تمتلك أدوات ضغط حقيقية على طهران، سواء عبر العلاقات الاقتصادية، أو النفوذ السياسي، خصوصا في ظل أزمة مضيق هرمز، وما يمثله من شريان حيوي للتجارة والطاقة العالمية.

وقد سعت الإدارة الأميركية إلى الحصول على دعم صيني للمساعدة في احتواء التصعيد، ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة قد تهدد الاقتصاد الدولي برمته. وفي هذا السياق، بدا أن الصين مستعدة لتأدية دور الوسيط الحذر، انطلاقاً من حرصها على استقرار أسواق الطاقة، وحماية مصالحها الستراتيجية.

لكن الملف الأخطر بلا شك كان تايوان. فقد وجه شي جين بينغ تحذيراً واضحاً وحاداً لترمب بشأن أي تجاوز أميركي لما تعتبره بكين الخط الأحمر. الصين تنظر إلى تايوان بوصفها قضية سيادة لا تقبل المساومة، وأي دعم أميركي يتجاوز حدود التفاهمات التقليدية قد يُفسَّر كاستفزاز مباشر.

ولهذا، فإن لهجة بكين الصارمة عكست حقيقة أن هذا الملف لا يزال القنبلة الأكثر قابلية للانفجار في العلاقات الثنائية.

ورغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالقمة، فإن الخلافات الجوهرية لم تختفِ. فالصراع على النفوذ في آسيا، والتنافس التكنولوجي، وملف الذكاء الاصطناعي، وسلاسل التوريد، وأزمة المواد المخدرة الاصطناعية، كلها ملفات بقيت مفتوحة دون حلول نهائية. غير أن الأهم هو أن القمة نجحت في منع هذه الخلافات من التحول الفوري إلى صدام مباشر.

إن قمة بكين لم تكن إعلان سلام بين واشنطن وبكين، بل كانت هدنة ستراتيجية بين قوتين تعرفان أن الحرب بينهما قد تكون نهاية مرحلة، وبداية عالم أكثر اضطراباً. لقد اختار الطرفان إدارة الصراع بدل تفجيره، وتأجيل المواجهة بدل حسمها.

وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت هذه القمة بداية نظام دولي جديد، أم مجرد استراحة قصيرة قبل عاصفة أكبر؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى