قرن من الاعتراف الروسي ــ السعودي والشراكة الاستراتيجية

كتب سيرغي كوزلوف, في الشرق الأوسط:
تُحيي روسيا والمملكة العربية السعودية، في التاسع عشر من فبراير (شباط) 2026، ذكرى تاريخية فارقة؛ وهي مئوية تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. فقد كان الاتحاد السوفياتي الدولة الأولى في العالم التي تعترف بمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، التي تحولت لاحقاً إلى «المملكة العربية السعودية» تحت قيادة الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود (طيّب الله ثراه). وقد أرست هذه الخطوة التاريخية اللبنة الأولى لتعزيز وتطوير الروابط الثنائية القائمة على مبادئ المساواة، والاحترام المتبادل، والثقة المشتركة.
وعلى مدار الأعوام المائة الماضية، قطعت العلاقات الروسية – السعودية مساراً طويلاً زاخراً بالمنجزات؛ إذ بلغت شراكتنا المتعددة الأوجه في مرحلتها الراهنة جوهر الشراكة الاستراتيجية. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور المحوري للحوار الرفيع المستوى القائم على الثقة بين قيادتي البلدين؛ حيث برزت محطات تاريخية شكلت نقاط تحوّل جوهرية، لعل أبرزها الزيارة الأولى إلى موسكو التي قام بها ولي العهد آنذاك، الأمير عبد الله بن عبد العزيز عام 2003، والزيارة الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الثنائية التي قام بها رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين إلى المملكة العربية السعودية عام 2007.
وقد ارتقت آفاق التعاون بين البلدين إلى مستوى جديد كلياً عقب اعتلاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز العرش في عام 2015، كما قدم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مساهمة جوهرية في تمتين أواصر العلاقات الروسية السعودية؛ حيث تثمن روسيا عالياً جهوده الدؤوبة في سبيل التحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي الشامل الذي تشهده بلاده.
وقد استمد تفاعلنا العريق زخماً قوياً من الزيارة الأولى من نوعها للملك سلمان إلى موسكو في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، والزيارة المقابلة التي قام بها رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين إلى الرياض في أكتوبر 2019، فضلاً عن زيارة الزعيم الروسي للمملكة في ديسمبر (كانون الأول) 2023، والتي منحت دفعة قوية لعلاقاتنا الممتدة.
وفي الأعوام الأخيرة، شهدنا تطوراً ملموساً في التعاون العملي بين روسيا والمملكة العربية السعودية؛ إذ تُعد «اللجنة الحكومية الدولية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني» هي الآلية الأساسية لدفع عجلة هذا التعاون. كما يعمل «مجلس الأعمال الروسي – السعودي» بفاعلية كبيرة، مُسهّلاً قنوات التواصل المباشر بين مجتمعات الأعمال في كلا البلدين. ونتيجة لهذه الجهود، سجلت معدلات التبادل التجاري الثنائي زيادة مطردة، ويجري راهناً تنفيذ مشروعات مشتركة جديدة في مجالي الصناعة والزراعة وغيرهما من القطاعات الواعدة.
ويأتي قطاع الطاقة في طليعة الأولويات الراسخة للشراكة الروسية السعودية؛ فباعتبارهما من كبار منتجي النفط في العالم، يعتمد استقرار الاقتصاد العالمي بصفة مباشرة على التنسيق الوثيق بين جهود الدولتين الكبيرتين. والدولتان كانتا المبادِرتين بتأسيس صيغة «أوبك بلس» (+OPEC)، التي ضمت تحت لوائها منظمة الدول المصدرة للبترول ومجموعة من الدول المنتجة من خارجها. وتسهم القرارات المتخذة في إطار «أوبك بلس» للحد من إنتاج النفط الخام، ومن ثم تعديله بمرونة، في كبح جماح تذبذب الأسعار وضمان قابلية سوق النفط للتنبؤ.
وفي الأعوام الأخيرة، اتخذت بلادنا خطوات عملية ومهمة تهدف إلى تحفيز الروابط بين قطاعي الأعمال والشعبين الصديقين؛ حيث شهد أغسطس (آب) 2025 تدشين رحلات جوية مباشرة ومنتظمة بين موسكو والرياض، كما أُدخلت الرحلات الجوية من موسكو إلى جدة حيز التنفيذ منذ ديسمبر 2025.
وتكتسي «اتفاقية الإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول» أهمية استثنائية، وهي الاتفاقية الموقعة بين حكومة المملكة العربية السعودية وحكومة الاتحاد الروسي في الرياض بتاريخ 1 ديسمبر 2025، على هامش الدورة التاسعة للجنة الحكومية الدولية المشتركة. ومن المتوقع دخول هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في المستقبل القريب؛ ويُشار في هذا الصدد إلى أن روسيا باتت أول دولة من خارج منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية تقرر المملكة العربية السعودية إقرار نظام الإعفاء من التأشيرة معها.
وتُشكل هذه الجهود المبذولة، التي تتكامل بتناغم تام مع الأجندة التجارية والاقتصادية للتعاون الروسي السعودي، دفعة ملموسة لتطوير السياحة، والروابط التجارية والعلمية والإنسانية. كما تحتل السياحة الدينية مكانة خاصة؛ حيث يفد سنوياً 25 ألف مسلم روسي إلى المملكة لأداء مناسك الحج، وعشرات الآلاف من أبناء الجالية المسلمة في روسيا لأداء مناسك العمرة.
وعلى صعيد آخر، تضطلع التبادلات في المجال الثقافي بدور متنامي الأهمية؛ ولعل المثال الأبرز على ذلك هو مشاركة المملكة العربية السعودية في مسابقة الموسيقى الدولية «إنترفيجن – Intervision» في حُلتها الجديدة، التي أقيمت بنجاح في روسيا خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2025، وما تلا ذلك من قرار القيادة السعودية باستضافة نسخة «إنترفيجن – 2026» في المملكة. وفي هذا الصدد، نؤكد استعدادنا التام لمشاركة خبراتنا وتقديم الدعم اللازم لأصدقائنا في المملكة لضمان نجاح هذا الحدث.
وبصفتي سفيراً للاتحاد الروسي، أود أن أشيد بصفة خاصة بالتنسيق الوثيق في السياسة الخارجية بين موسكو والرياض، بما في ذلك المحافل الدولية الرئيسية، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة ومجموعة العشرين؛ إذ تتطابق مواقفنا تجاه أغلب القضايا العالمية والإقليمية أو تتناغم إلى حد كبير. ويجمعنا التزام راسخ بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة في شموليته وترابطه وعدم تجزئته، فضلاً عن احترام التنوع الثقافي والحضاري لشعوب العالم، والاعتراف بحقها في اختيار مسارات تطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي بشكل مستقل.
إن الحوار المتكافئ القائم على المساواة والاحترام المتبادل، الذي تبلور على مدار قرن من الزمان، لا يمنحنا الفخر بما تحقق فحسب، وإنما يجعلنا نتطلع إلى المستقبل بكل ثقة وتفاؤل؛ لا سيما أن بلدينا يواجهان اليوم تحديات جديدة وطموحة تفرضها طبيعة الحياة ومنطق العلاقات الدولية. وسنواصل العمل، جنباً إلى جنب مع أصدقائنا السعوديين، من أجل التغلب على هذه التحديات، والاستثمار الأمثل للإمكانات الهائلة لشراكتنا الاستراتيجية، بما يخدم مصلحة شعبينا ويعزز ركائز الأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والعالمي.




