في أول ظهور بعد انتهاء ولايته… باول يحذر من «تسييس الاحتياطي الفيدرالي»

بالتزامن مع تسلُّمه جائزة «ملامح في الشجاعة» لمواجهة ضغوط ترمب
في أول ظهور علني له منذ انتهاء ولايته التاريخية التي استمرت 8 أعوام على رأس البنك المركزي الأميركي، وجَّه المحافظ الحالي والرئيس السابق لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، جيروم باول، تحذيرات شديدة اللهجة وغير مسبوقة بشأن المخاطر الجسيمة التي يفرضها الضغط السياسي على استقلالية القرار النقدي.
وجاءت تصريحات باول خلال حفل تسلُّمه جائزة «ملامح في الشجاعة» (Profile in Courage) لعام 2026 في «مكتبة ومتحف جون إف. كينيدي الرئاسية» في بوسطن، تقديراً لـ«صموده ومقاومته الضغوط المستمرة» التي مارسها الرئيس دونالد ترمب لخفض أسعار الفائدة.
وفي كلمة اتسمت بالعمق الدستوري والاقتصادي، شبَّه باول ما يمر به «الفيدرالي» حالياً بـ«اختبار الجهد» الذي تخضع له البنوك عادة لقياس مدى مرونتها في مواجهة الأزمات.
جدار الحماية النقدي
أكد باول في خطابه أن المشرِّع الأميركي في الكونغرس كان حكيماً للغاية عندما اختار عزل قرارات السياسة النقدية عن التجاذبات السياسية قصيرة المدى. واستعرض الركائز الهيكلية والقانونية التي تحمي البنك المركزي من التدخلات الرئاسية؛ مشيراً إلى «قانون الاحتياطي الفيدرالي» الذي يمنح الحكام ورؤساء البنوك الإقليمية حماية قانونية ضد العزل التعسفي، فضلاً عن تعيينهم لولايات طويلة الأجل لا ترتبط بالدورة الانتخابية الرئاسية.
وشرح باول ميزة فريدة في هيكل «الفيدرالي» تمثل صمام أمان إضافياً؛ حيث أوضح أن الإدارات الرئاسية لا تملك أي دور في اختيار أو الإشراف على رؤساء البنوك الإقليمية الـ12 التابعة للمركزي. وهذا يعني أن 5 أصوات على الأقل في «اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة» المعنية بتحديد أسعار الفائدة، تتمتع بحماية كاملة من الضغوط السياسية حتى لو تعرض مجلس الحكام في واشنطن للاختراق السياسي.

تحذير من تفكيك الثقة العامة
وفي رسالة واضحة حيال محاولات الهيمنة السياسية، حذَّر باول من أن إقدام أي إدارة على عزل مسؤولي «الفيدرالي» بسبب خلافات حول السياسة النقدية سيضع سابقة تدميرية ستسير عليها الإدارات المستقبلية. وقال باول محذراً: «إذا حدث ذلك، فسيفقد الجمهور الثقة في أن البنك المركزي يتخذ قراراته بناءً على ما هو أفضل لجميع الأميركيين فقط… وحينها ستضيع مصداقية (الفيدرالي) التي بُنيت وصيغت على مدى عقود طويلة».
ومستشهداً بمقولة الفيلسوف والمفكر الاقتصادي إدموند بيرك، أشار باول إلى أن «بناء المؤسسات الديمقراطية يستغرق كثيراً من الوقت والجهد والصبر، ولكن يمكن هدمها بسرعة فائقة»، داعياً إلى ضرورة الحفاظ على استقرار هذه المؤسسات كإرث حيوي.
كواليس الصدام العنيف بين ترمب وباول
تأتي هذه التصريحات النارية لتكشف عن حجم الاضطرابات العنيفة التي شهدتها أروقة البنك المركزي خلف الكواليس مؤخراً. فرغم أن الصدام بدأ منذ جائحة «كورونا»، فإن الضغوط بلغت ذروتها خلال الولاية الرئاسية الثانية لدونالد ترمب. ولم تقتصر الضغوط على التغريدات والحملات الإعلامية للمطالبة بخفض الفائدة؛ بل وصلت إلى حد تلويح ترمب علناً بفكرة إقالة باول وزميلته المحافظة ليزا كوك.
كما امتدت المضايقات السياسية لتشمل قيام وزارة العدل بفتح تحقيق جنائي وإصدار مذكرات استدعاء بحق باول بذريعة التدقيق في تكاليف تجديد مبنيين تابعين لـ«الاحتياطي الفيدرالي». وهو التحقيق الذي بادر باول بإعلانه للعامة قبل أن يتم إسقاطه لاحقاً لعدم جديته. وبدلاً من التقاعد بعد انتهاء ولايته رئيساً للمجلس في 15 مايو (أيار) الماضي، اختار باول البقاء في مجلس الحكام عضواً مستمراً حتى يناير (كانون الثاني) 2028 لمواصلة الدفاع عن استقلالية المؤسسة.
عهد كيفين وارش
تأتي هذه الهزة المؤسسية بالتزامن مع تولي الرئيس الجديد لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، كيفين وارش، مهام منصبه رسمياً في 22 مايو الماضي، ليقود البنك في واحدة من أكثر الفترات المشحونة سياسياً في التاريخ الحديث. وخلال حفل أدائه اليمين، حرص ترمب على إرسال إشارات تهدئة للأسواق، قائلاً لوارش: «أريدك أن تكون مستقلاً وأن تقوم بعمل رائع… لا تنظر إليَّ، ولا تنظر لأي أحد، فقط افعل ما تراه مناسباً». وفي الوقت نفسه، وصف وزير الخزانة سكوت بيسنت الرئيس الجديد بأنه «شريف جديد في المدينة» سيعيد «الفيدرالي» إلى أساسيات المحاسبة والمصداقية.
ومع ذلك، تراقب «وول ستريت» بقلق شديد هذه التطورات؛ إذ إن اهتزاز استقلالية البنك المركزي يحمل تداعيات مباشرة على الأسواق المالية العالمية. ويؤكد المحللون أن ضعف مصداقية السياسة النقدية يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعلاوات مخاطر أعلى، مما يرفع تقلبات الأسهم والسندات طويلة الأجل، ويدفع بالسيولة نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب الاستثماري لتأمين استقرار الثروات ضد تقلبات العملة.




