فخ الاستنزاف الأميركي

ناديا شادلو – مجلة “فورين أفيرز” الأميركية:
في حروب اليوم، لا يكفي امتلاك القوة العسكرية؛ فالحسم يعتمد على القدرة على الصمود، وتجديد القدرات، وتحمل كلفة الاستنزاف الطويل.
يُعدّ الاستنزاف السمةَ الأبرزَ للصراعات المعاصرة. فقد تحوّلت الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط إلى منافساتٍ طاحنةٍ حول قدرة كل طرفٍ على استنزاف القدرات العسكرية والموارد الاقتصادية والإرادة السياسية للطرف الآخر. ولكلٍّ منها، بطبيعة الحال، خصائصها الفريدة، إلا أن مساراتها المتشابهة تعكس تغيراً أعمق في كيفية سير الحروب اليوم. فخلال الحرب في أوكرانيا، كانت أطقم المدفعية تمتلك المدافع وتستطيع تحديد أهدافها، لكنها كانت تفتقر إلى القذائف اللازمة لإطلاقها. وقد اكتشف المهندسون الأوكرانيون أن أنواعاً جديدةً من الطائرات المسيّرة تُواجَه بإجراءاتٍ روسيةٍ مضادةٍ في غضون أسابيع، ما يُقوّض أيّ ميزةٍ كانت تتمتع بها لفترةٍ وجيزة. وفي إيران، أضعفت الولايات المتحدة الجيش الإيراني ودمّرت منشآتٍ نوويةً مدفونةً في أعماق الأرض، لكنها فشلت في حلّ المشكلة السياسية التي جعلت هذه الأسلحة تهديداً في المقام الأول.
تُجسّد كلّ ديناميكيةٍ فجوةً مختلفةً تُساعد في تفسير سبب لجوء الدول بشكل متزايد إلى استراتيجيات الاستنزاف، أو وقوعها في فخّها. الأولى هي الفجوة بين القدرة العسكرية التي تمتلكها الدول نظرياً والقوة التي يُمكنها نشرها والحفاظ عليها فعلياً. والثانية هي الفجوة بين مبادئ الحرب التقليدية وساحة المعركة الحديثة التي تجعل فيها التكنولوجيا تحقيق اختراقات حاسمة أمراً بالغ الصعوبة. أما الثالثة، فهي الفجوة بين الوسائل العسكرية والغايات السياسية التي يُراد تحقيقها. مجتمعةً، تدفع هذه الاختلالات الحروب نحو الاستنزاف. فعندما تعجز الدول عن توليد وتجديد قدرات عسكرية كافية لسحق العدو، تصبح الحرب اختباراً للصمود. وعندما يصعب تحقيق اختراقات حاسمة، يصبح السعي وراء مكاسب تدريجية والتدمير المستمر لقدرات العدو أمراً مغرياً. وعندما تكون الأهداف السياسية النهائية للمتحاربين غامضة أو متطرفة، قد يبدو فرض تكاليف باهظة إلى أجل غير مسمّى البديلَ الوحيدَ للاستسلام.
يمثّل هذا تحدياً خاصاً للولايات المتحدة. فمع سعي القادة الأميركيين المتزايد نحو عمليات عسكرية قصيرة وحاسمة، قد تواجه الولايات المتحدة خصوماً يرون في إطالة أمد الصراعات ميزةً. قد لا تختار الولايات المتحدة حرب الاستنزاف، لكن عليها أن تكون مستعدة لخوض حروبٍ والانتصار فيها، حتى وإن اختارها خصومها.
الطريق الطويل والشاق
تُقاس القوة العسكرية تقليدياً بما تملكه الدول من أصول، كالقوات ومنصات الأسلحة ومخزونات الذخيرة. إلا أن الحروب الأخيرة كشفت الفجوة بين القوة الاسمية والقدرة العسكرية الفعلية. في كتابه “كيف حُسمت الحرب”، الصادر عام 2015، جادل المؤرخ فيليبس أوبراين بأنه حتى خلال الحرب العالمية الثانية، أصبح الفوز في المعارك الكبرى التي استحوذت على اهتمام الجماهير أقل أهمية من السيطرة على ما سمّاه “ساحة المعركة الكبرى”، وهي المساحة الشاسعة من المصانع وخطوط الإمداد التي تُنتَج وتُنقَل عبرها القوة العسكرية. ومنذ تلك الحرب، ازدادت أهمية القدرة على توليد القوة العسكرية والحفاظ عليها. تستهلك الجيوش الحديثة المعدات العسكرية بوتيرة هائلة، وأصبح خصومها أكثر قدرة على تعطيل شبكات الإنتاج والإمداد اللازمة لاستبدالها.
عندما غزت روسيا أوكرانيا مجدداً مطلع عام 2022، بدت وكأنها تمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً. ومع ذلك، ولأن روسيا لم تستطع تحويل مواردها الهائلة بسرعة إلى قوة قتالية مستدامة على الجبهة، فقد فشلت في توظيف قدراتها بفعالية والاستيلاء على كييف.
لكن احتياطياتها المادية والبشرية مكّنت روسيا من تجاوز انتكاساتها المبكرة. فقد استطاعت حشد المزيد من الأفراد، والاستفادة من مخزونات الذخيرة الضخمة، وزيادة إنتاج الأسلحة، واللجوء إلى شركاء مثل كوريا الشمالية لدعم معركتها. طوّرت روسيا نظرية للنصر تقوم على فكرة أنها ليست بحاجة إلى هزيمة أوكرانيا هزيمة ساحقة إذا استطاعت الصمود أمامها وإنهاكها تدريجياً، في انتظار تراجع التزام أوروبا والولايات المتحدة السياسي. منح الاستنزاف روسيا ميزة عسكرية، لكنه كشف أيضاً عن مشكلة أخرى لدى حلفاء أوكرانيا الأقوياء في حلف الناتو: فالقوة الإجمالية لا تُترجم بالضرورة إلى القدرة على خوض حرب طويلة الأمد ومكلفة.
اقرأ أيضاً: “ميدل إيست آي”: إيران لا تحتاج إلى هزيمة الأميركيين عسكرياً.. يكفيها الصمود وكسب الوقت
تتمتع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بقوة اقتصادية وعسكرية تفوق بكثير قوة روسيا. ومع ذلك، فإن حرب الاستنزاف تقيس القوة بمعايير مختلفة. فالناتج المحلي الإجمالي لا يُقاس بالمدفعية، والإنفاق الدفاعي الإجمالي لا يكفي بحد ذاته لاعتراض الصواريخ. لم تُبنَ الصناعات الدفاعية لشركاء أوكرانيا على استبدال الذخيرة بسرعة، بل كانت مُنظَّمة حول الإنتاج في زمن السلم. ولذلك، واجهت صعوبة في تحويل إمكاناتها الكامنة بالسرعة الكافية إلى قذائف وصواريخ اعتراضية وقدرات عسكرية أخرى قابلة للاستخدام.
وهكذا، واجهت روسيا وحلف شمال الأطلسي فجوة القدرات بطرق متناقضة تقريباً. ففي البداية، امتلكت روسيا قدرات من دون فعالية مماثلة. أما داعمو أوكرانيا، فكانت لديهم فعالية من دون عمق كافٍ لخوض حرب طويلة الأمد.
قدّم الصراع بين القوات الأميركية والإسرائيلية وإيران صورةً مختلفةً لهذه الديناميكية. لم تكن القوة العسكرية التقليدية الإيرانية قادرةً على مجاراة قوة “إسرائيل” أو الولايات المتحدة، لكن طهران أمضت عقوداً في بناء قدرتها على تعويض نقصها التقليدي من خلال إنشاء قدرات عسكرية خارج أراضيها. سمحت شبكة إيران من الوكلاء لطهران بممارسة الضغط على جبهات متعددة، ما أجبر “إسرائيل” والولايات المتحدة على استهلاك صواريخ اعتراضية والحفاظ على وتيرة عملياتية عالية. كشف استخدام إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة عن قصور الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن والسفن الحربية المتطورة والطائرات الحديثة. في استراتيجية الاستنزاف هذه، كل ما تحتاجه إيران هو الاستمرار في تكبيد الخصوم خسائر فادحة وتعويض ما فقدته.
تأقلم ومت
عشية الغزو الروسي لأوكرانيا، أشاد أحد الجنرالات الأميركيين بقدرة موسكو على التعلم والتكيف. وقد أثبتت أوكرانيا قدرتها على التكيف بسرعة أكبر. إلا أن سرعة التكيف من كلا البلدين أدت إلى مفارقة. فالمزايا التي كان من الممكن أن تُمكّن من تحقيق اختراق أصبحت مؤقتة؛ ولم يتمكن أي من الطرفين من الحفاظ على تفوقه لفترة كافية لتحقيق نتائج حاسمة.
هذه هي الفجوة الثانية. فمع تغيير التكنولوجيا لساحات المعارك، بات تطبيق المبادئ التقليدية لتحقيق التفوق العسكري، كقوات المناورة وحشد القوة القتالية، أكثر صعوبة، ما يدفع الحروب نحو الاستنزاف. في عصر الطائرات المسيّرة، يَسهُل رصد القوات المحتشدة وتدميرها؛ ويمكن رصد تجمعات القوات والإمدادات اللوجستية اللازمة للمناورة واسعة النطاق واستهدافها قبل تحقيق أي اختراق. ويصعب خلق عنصر المفاجأة عندما تكون ساحة المعركة تحت المراقبة المستمرة. يخلق التقدم التكنولوجي باستمرار فرصاً جديدة، لكن التكيف المضاد يقضي على هذه المزايا بسرعة.
تُغيّر التكنولوجيا أيضاً كيفية تطبيق مبادئ الحرب التقليدية في الشرق الأوسط. لنأخذ مثالاً على ذلك: استخدام “إسرائيل” والولايات المتحدة للمعلومات الاستخبارية والأسلحة الدقيقة والضربات بعيدة المدى لتحقيق تأثيرات واسعة النطاق من دون الحاجة إلى حشد قوات فعلية. وقد طبّقت إيران المبدأ نفسه بطريقة مختلفة، مستخدمةً وابلاً كثيفاً من الصواريخ والطائرات المسيّرة لإرباك الدفاعات المتطورة. ولأن كلا الجانبين قادر على إحداث تأثيرات مركّزة باستمرار من دون حشد القوات، يصبح تدمير قدرة العدو على مواصلة القتال أكثر صعوبة. يتحوّل الصراع نحو تبادل متكرر للهجمات، وإعادة التموين، والصمود. وبهذا المعنى، يُمكن للتكيّف السريع أن يُعزّز استراتيجية الاستنزاف.
تغيير قواعد اللعبة
أما الفجوة الاستراتيجية الثالثة، وربما الأصعب، فهي أن الوسائل العسكرية المستخدمة في الحروب الحالية لا تُحقق النتائج السياسية المرجوة. وينطبق هذا على كلٍّ من الحرب الروسية ضد أوكرانيا، والمواجهة الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط التي تشمل الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران وحلفاء إيران الإقليميين. ففي هذه الحروب، لا يسعى المتحاربون إلى تعديلات محدودة على الحدود الإقليمية أو تغييرات طفيفة في سلوك الخصم، بل إلى أهداف طموحة غير قابلة للتفاوض.
لا تترك هذه المخاطر الجسيمة مجالاً يُذكر للتسوية، ما يجعل الحروب مستعصية للغاية. وتُكبّد الحرب الاستنزافية خسائر فادحة في الأرواح والأموال، من دون أن تُسهم، على ما يبدو، في تضييق الخلافات السياسية.
كان هذا الغموض مفهوماً: فتحديد هدفٍ ملموس وتخصيص الوسائل العسكرية لتحقيقه كان يُنذر بوضع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في مسار تصادمي مباشر مع روسيا. لكن النتيجة كانت استراتيجية عسكرية منفصلة عن الاستراتيجية السياسية، وعزيمة على منع هزيمة أوكرانيا وفرض تكاليف باهظة على روسيا إلى أجل غير مسمّى.
في الشرق الأوسط، برزت مشكلة مماثلة. فقد فرضت القوة العسكرية تكاليف باهظة على كلٍّ من حماس وإيران. لكنها لم تدفع أيّاً منهما إلى الاستسلام. في بداية حرب “إسرائيل” ضد حماس، جادل غراهام أليسون وعاموس يادلين في مجلة “فورين أفيرز” بأن “إسرائيل” هزمت حماس لأنها قتلت معظم قادتها العسكريين وأكثر من نصف مقاتليها. إلا أن تدمير القدرات العسكرية للعدو لا يعني بالضرورة تهيئة الظروف السياسية اللازمة لإنهاء الصراع بشكل دائم.
استخدمت إيران السياسة، وتحديداً الضغط الدولي، كأداة في حرب الاستنزاف التي تشنّها. وسعت إلى تقويض الدعم الدولي لـ “إسرائيل”، مُشكّلةً حلقةً سياسيةً متوترةً حول خصمها. وقد زادت المؤسسات الدولية، والعديد من الحكومات الأوروبية، والرأي العام في جميع أنحاء العالم، الضغط على “إسرائيل”، وتعمّقت عزلتها. وكان لهذا تبعاتٌ استراتيجية. فعلى الرغم من أنّ “إسرائيل” أثبتت قدرتها على الهيمنة العسكرية، إلا أنها واجهت صعوبةً في ترجمة تلك الانتصارات إلى بيئةٍ سياسيةٍ إقليميةٍ أكثر ملاءمة. وتدهورت علاقاتها مع الحكومات الأوروبية وغيرها من الحكومات الأجنبية، وتُعقّد هذه الانقسامات الآن المناقشات الدولية حول ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
كسر القالب
تُشكّل حروب الاستنزاف معضلة استراتيجية خاصة للولايات المتحدة. فقد خطط البنتاغون لعمليات عسكرية قصيرة وحاسمة، وكثيراً ما يعد بها القادة السياسيون في واشنطن. إلا أن الخصوم اليوم يملكون الوسائل والحوافز لحرمان الولايات المتحدة من هذا النوع من الحروب وإطالة أمد الصراعات على أمل استعادة القدرات، وفرض تكاليف باهظة، وتجاوز الإرادة السياسية الأميركية.
في الوقت نفسه، بنت الولايات المتحدة جيشاً يعتمد اعتماداً كبيراً على أعداد قليلة نسبياً من أنظمة الأسلحة المتطورة والمكلفة، وقاعدة صناعية لا تستطيع استبدال العديد من هذه الأنظمة بسرعة، واستراتيجيات غالباً ما تُبقي الظروف السياسية اللازمة للنصر من دون حل. يبذل مخططو الدفاع الأميركيون بعض الجهود لتغيير هذا الوضع العسكري، لكن الأمر سيستغرق وقتاً. لا يكمن الخطر في عجز الولايات المتحدة عن كسب حرب استنزاف، بل في استمرار تنظيمها على أساس توقع عدم اضطرارها لخوضها.




