رأي

غياب روسيا عن الأخبار ليس خبرا جيدا

محمد الصالحين الهوني – العرب:

روسيا اختارت الصمت – لكن هذا الصمت ليس صمت الأقوياء الذين يتحينون الفرصة، بل صمت المنهكين الذين فقدوا القدرة على المبادرة.

الغياب شبه الكامل لروسيا عن العناوين الكبرى يلفت الأنظار، خاصة وسط مشهد دولي مزدحم بالأحداث، وكأنما انسحبت طوعًا من دائرة الضوء التي طالما كانت جزءًا منها. هذا التواري لا يعكس هدوءًا داخليا أو استقرارا مبنيا على قوة، بل هو نتاج مركب للجمود السياسي، واستنزاف القدرة على التأثير الخارجي، وتآكل أدوات النفوذ التقليدية التي كانت سابقًا تمنح روسيا حضورا دائمًا – سواء كفاعل رئيسي أو كخصم ضروري. فكما يقول المثل الإنجليزي: “غياب الأخبار ليس خبرا جيدا”، وفي حالة روسيا، قد يكون هذا الغياب إنذارا بعزلة متنامية وفقدان القدرة على المبادرة.

على مدى عقدين، بنت روسيا خطابها الدبلوماسي على نقيضين حادين: معاداة الغرب، وتأكيد استقلالية القرار السيادي. لكن هذا الخطاب، الذي كان يثير اهتمام الإعلام الغربي والعالمي في ذروة الأزمة الأوكرانية أو التدخل في سوريا، أصبح اليوم أقرب إلى تسجيل قديم يعاد تشغيله دون روح جديدة. تصريحات سيرغي لافروف، وزير الخارجية الذي يظل نموذجا للدبلوماسية الصلبة، باتت متوقعة، خالية من المبادرات العملية، وخالية من لغة الجديد. هذا التكرار المنهجي جعل روسيا تبدو وكأنها تدور في حلقة مفرغة، غير قادرة على فرض أجندة أو حتى التفاعل بفعالية مع أجندات الآخرين. بينما تملأ القوى الكبرى – وعلى رأسها الصين والولايات المتحدة – الفراغ بتحركات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية كثيفة، تتحول موسكو تدريجيا إلى متفرج يراقب لعبة تتغير قواعدها دونه.

غياب روسيا عن العناوين الكبرى لا يعكس استقرارا، بل يكشف تراجع نفوذها الخارجي وانشغالها بأزماتها الداخلية، حيث فقدت القدرة على المبادرة وصياغة الأحداث

على المستوى الخارجي، لم يعد النفوذ الروسي كما كان. ففي مناطق كانت تعتبر تقليديا خلفية نفوذها، مثل أفريقيا والساحل، لم تنجح التدخلات العسكرية عبر مجموعات فاغنر في بناء حضور مستدام. تكبدت روسيا خسائر في النفوذ أمام منافسين أكثر مرونة مثل تركيا، التي جمعت بين القوة العسكرية والاقتصاد الدبلوماسي، والصين التي ترسخ وجودها عبر الاستثمارات الضخمة ومشاريع البنية التحتية دون أعباء سياسية مباشرة. حتى في الشرق الأوسط، حيث كانت موسكو لاعبا لا غنى عنه في الملف السوري، تقلص دورها أمام تحولات إقليمية سريعة. هذا التراجع لا يعكس بالضرورة فشلا عسكريا، بل يعكس أن روسيا لم تعد قادرة على فرض نفسها كقوة بديلة أو موازية للغرب؛ لقد أصبحت مجرد طرف يسعى للحفاظ على ما تبقى من نفوذ تقليدي.

أما داخليا، فالضغوط الاقتصادية تعزز صورة الانكماش. ورغم ارتفاع أسعار النفط في فترات معينة، يواجه المواطن الروسي موجة غلاء معيشي، وزيادات ضريبية، وتراجعًا في بيئة الأعمال بسبب العقوبات المتواصلة وهجرة رؤوس الأموال. تقارير صادرة عن جهات مستقلة وحتى أجهزة استخباراتية غربية تشير إلى أن غالبية الروس يرون الأوضاع السياسية متوترة أو قابلة للانفجار، وهو شعور يفسر جزئيا انشغال الكرملين بأزمات الداخل بدلا من المغامرات الخارجية.

لكن الأكثر إثارة للانتباه في المشهد الدولي الراهن هو ظهور قوى صاعدة جديدة تجاوزت روسيا في القدرة على خلق الأحداث. الهند، على سبيل المثال، استطاعت خلال الأعوام الماضية أن تبني لنفسها موقعا فريدا كوسيط بين الشرق والغرب، مستفيدة من نموها الاقتصادي ومن قدرتها على عدم الانحياز في صراعات القوى الكبرى. رئيس وزرائها ناريندرا مودي بات شخصية دولية مؤثرة، وتحركاتها في قمم مجموعة العشرين وبريكس وفي الملفات المناخية جعلتها بديلا جاذبا لدور كانت روسيا تطمح إليه. كذلك تركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، أعادت تعريف نفسها كقوة إقليمية ذات قدرة على المبادرة في أكثر من ملف: من التحكم بمفاعل الحبوب الأوكراني، إلى توسيع نفوذها في القوقاز وآسيا الوسطى عبر منظمة الدول التركية، إلى لعب دور عسكري دبلوماسي في ليبيا وأفريقيا.

ثم تأتي الصين، التي لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل أصبحت نموذجا بديلا للنظام الدولي الليبرالي. من خلال مبادرة الحزام والطريق، ومن خلال دبلوماسيتها المنهجية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ومن خلال وساطتها غير المسبوقة بين إيران والسعودية، تستحوذ بكين على العناوين الرئيسية كفاعل يضع الأجندة لا يقتفي آثارها. في المقابل، تبدو روسيا أمام هذا الصعود وكأنها شريك صغير في تحالف بريكس، لا قائدة للنظام العالمي متعدد الأقطاب.

الغياب عن الساحة الإخبارية يمكن قراءته أيضا كجزء من إستراتيجية مقصودة، فالصمت الإعلامي قد يكون أداة لتفادي الإحراج أو لإخفاء التراجع

هذا التجاوز المتسارع لروسيا من قبل قوى صاعدة ليس وليد الصدفة، بل يرتبط بفارق رئيسي: القدرة على تقديم نموذج جاذب. روسيا قدّمت نفسها لعقود كقوة أمنية عسكرية مانعة للفوضى، لكن العصر الراهن يطلب نماذج اقتصادية وتكنولوجية ودبلوماسية مرنة. الصين تقدم استثمارات وبنية تحتية، الهند تقدم ديمغرافية شابة وسوقا ضخما، تركيا تقدم نموذجا هجينا يجمع بين القوة الصلبة والناعمة، بينما ظلت روسيا رهينة نموذجها المستنِفد القائم على الطاقة والسلاح. حتى دبلوماسيتها الرقمية كانت محدودة وأقل تأثيرا من منافسيها.

غياب روسيا عن الساحة الإخبارية قد يُقرأ أحيانا كإستراتيجية مقصودة لتجنب الإحراج، كالصمت المطبق أثناء الانسحابات التكتيكية العسكرية أو الأزمات الداخلية غير المعلنة. لكن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة، لأن الغياب المطول يُفهم في العلاقات الدولية كعجز وليس كحكمة. الدول الكبرى تقاس بقدرتها على إنتاج الأخبار، لا بغيابها عنها. وإذ تنسحب روسيا من دائرة الضوء، تملأ قوى صاعدة أخرى الفراغ، وتعيد تعريف تحالفات جديدة ونماذج نفوذ لا تحتاج بالضرورة إلى تدمير روسيا، بل فقط إلى تجاوزها.

في النهاية، غياب روسيا ليس خبرا سيئا من نوع الحروب والكوارث، لكنه أسوأ لأنه خبر عن الجمود والعزلة. “لا أخبار” في قاموس القوى الدولية الكبرى تعني أنك لم تعد جديرا بأن تكون فاعلا. ومع صعود الهند وتركيا والصين ودول الخليج كجهات فاعلة تدير ملفات معقدة وتقود مبادرات حقيقية، يبدو أن روسيا اختارت الصمت – لكن هذا الصمت ليس صمت الأقوياء الذين يتحينون الفرصة، بل صمت المنهكين الذين فقدوا القدرة على المبادرة. وإذا استمر هذا الغياب، فقد تجد روسيا نفسها أمام أزمة وجودية حقيقية: أزمة دور ومكانة في نظام دولي لم تعد تملك مفاتيح التأثير فيه، بينما تتهافت عليه قوى جديدة أكثر شبابا وأكثر جرأة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى