غزة والتسوية المؤجلة

يونس السيد – الخليج:
مع انشغال العالم بالتصعيد الإقليمي الدائر في المنطقة ومحاولات البحث عن حلول لخفض التوتر والانتقال إلى مرحلة التسويات والاتفاقات، يبدو أن ملف غزة لا يزال بعيداً عن هذه التسويات في هذه المرحلة، رغم ارتباطه الوثيق بها ورغم الجهود التي يبذلها الوسطاء والفاعلون السياسيون لإبقائه على قيد الحياة.
من الطبيعي أن يتقدم التوتر الإقليمي على ما عداه من قضايا، وأن يحتل مركز صدارة الاهتمام العالمي، لأن استعادة استقرار المنطقة تفتح الطريق أمام حل القضايا العالقة في مقدمتها تسوية القضية الفلسطينية باعتبارها ركيزة أساسية من ركائز الأمن والاستقرار في المنطقة. لكن بالمقابل، لا ينبغي تحويل ملف غزة إلى نموذج لحالة تطبيعية يتعايش معها أكثر من مليوني إنسان في ظل كارثة إنسانية متفاقمة وخروق إسرائيلية يومية لاتفاق وقف إطلاق النار يدفع ثمنها ساكنو الخيام الممزقة والبيوت المتصدعة في ظل انعدام أبسط مقومات الحياة.
وفي هذه الحال، يُفترض أن تتقدم أولوية الإنساني على السياسي، لكن هذه الأولوية لا تحظى باهتمام إسرائيل التي دائماً ما تحولها إلى أداة ضغط، لدفع الفلسطينيين إلى حافة اليأس واضطرارهم الهجرة. فهي، على سبيل المثال، لا تزال تستخدم معبر رفح ورقة مساومة، تفتحه وتغلقه وقت ما تشاء، من دون أي مساءلة، في استغلال صريح للظروف الإقليمية والدولية الناشئة. والذرائع التي تسوقها هنا أكثر من أن تحصى، وإن كانت تختبئ خلف قضية «نزع السلاح» كشرط مسبق لأي تقدم في المجال الإنساني أو السياسي.
من هذا المنطلق، يبدو أن الوسطاء والفاعلين السياسيين بدأوا محاولة لكسر الجمود في ملف غزة، رغم استحالة تقدمه كأولوية في اللحظة الراهنة، على أمل التمهيد للمرحلة المقبلة. وتحدثت التقارير، في هذا المجال، عن مقترح قدمه «مجلس السلام»، قيل إنه حظي بموافقة إسرائيلية لنزع سلاح القطاع تدريجياً على مدى ستة أشهر، وإدخال لجنة التكنوقراط الفلسطينية لمباشرة مهامها على الفور، بالتزامن مع نشر قوات للشرطة الفلسطينية التي جرى تدريبها مؤخراً، على أن يتبعها نشر قوة الاستقرار الدولية، وإطلاق عجلة إعادة الإعمار والبناء.
وتواترت التقارير عن اجتماعات مكثفة، بهذا الصدد، عقدت مؤخراً بين الوسطاء وممثلين عن «مجلس السلام»، من جهة، وأطراف فلسطينية وإسرائيلية، من جهة أخرى، لكنها لم تسفر سوى عن وعود بدراسة هذا المقترح، إلى جانب إعادة فتح معبر رفح لمدة يومين قبل أن يعاد إغلاقه، بعد أن رفضت إسرائيل وقف اعتقال المسافرين العائدين، وفق الاتفاق المتعلق بهذا الشأن. وبالمحصلة، لا يمكن توقع حدوث تقدم جدي في هذا الملف، في غياب الضغط الدولي، والأمريكي تحديداً، بالنظر إلى أولويات واشنطن الراهنة، خصوصاً أن إسرائيل تتهرب، منذ البداية، من تنفيذ المرحلة الثانية، وتضع العراقيل تلو العراقيل بشأنها، وهو ما يبقي ملف غزة مؤجلاً حتى إشعار آخر.




