عقوبات أوروبا على المستوطنات تمثّل تحذيراً لاقتصاد “إسرائيل”

صامويل ويندل – موقع “المونيتور” الأميركي:
قبل أسابيع من انتخابات إسرائيلية مفصلية، أعلنت 12 دولة عن قيود تجارية جديدة تستهدف المستوطنات في الضفة الغربية، مما يمثل توبيخاً شديداً للحكومة الإسرائيلية قد ينذر بمزيد من الضغوط الدولية.
تواجه المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ضغوطاً دولية جديدة في توقيت حاسم؛ فقبل أسابيع من انتخابات إسرائيلية مفصلية، أعلنت مجموعة تضم 11 دولة أوروبية وكندا حظراً تجارياً وعقوبات جديدة تستهدف مستوطنات الضفة الغربية، مما يمثل توبيخاً شديداً لحكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة، في ظل تصاعد أعمال العنف في الأراضي المحتلة.
ومن المرجح أن يكون الأثر الاقتصادي المباشر لهذه التدابير على أرض الواقع محدوداً، وأن تواجه تحديات في التنفيذ، نظراً إلى ضآلة حجم التجارة المعنية؛ إذ صرّح عيران ياشيف، أستاذ الاقتصاد في جامعة تل أبيب، لموقع “المونيتور” قائلاً: “سيكون للعقوبات تأثير ضئيل للغاية عند تطبيقها، ولن يُشعَر بوجودها”.
ومع ذلك، فبعد سنوات من إدانة القادة الأوروبيين للاستيطان من دون اتخاذ إجراءات جماعية ملموسة مقابلة، تمثّل هذه القيود تحولاً كبيراً في سياسات حلفاء “إسرائيل” الرئيسيين وشركائها التجاريين، وقد تشكّل جرس إنذار للاقتصاد الإسرائيلي.
والأهم من ذلك، وفقاً للخبراء، أن القرار المشترك باستهداف هذه المستوطنات، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي، قد يهيئ الظروف لتصاعد الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، مما قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات التي تزيد من عزلة “إسرائيل” دولياً. وتكمن الخطورة في السابقة التي أرستها حملة الضغط الأوروبية هذه، وما إذا كانت تنذر بإجراءات تستهدف بشكل مباشر العلاقات التجارية لـ”إسرائيل”، بما في ذلك “اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل””، التي تمنح السلع الإسرائيلية ميزة الوصول التفضيلي إلى الأسواق الأوروبية.
يُذكر أن الاتحاد الأوروبي استحوذ على 31.7% من تجارة السلع الإسرائيلية في عام 2025، إذ بلغ حجم التبادل السلعي بين الطرفين 50 مليار دولار.
وقال ياشيف، مشيراً إلى هذه السابقة: “هذا أمر جوهري؛ فإذا فُرضت عقوبات على “إسرائيل” نفسها، فستكون تلك مشكلة هائلة، نظراً إلى أن الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري لـ”إسرائيل””.
وسيعتمد تحقق هذا السيناريو بشكل كبير على نتائج الانتخابات المرتقبة في تشرين الأول/أكتوبر.
تدابير رمزية
قادت المملكة المتحدة هذا التحرك في 8 أيلول/سبتمبر، إذ أعلنت حظر استيراد البضائع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وإنشاء نظام عقوبات يستهدف الشركات والأفراد المتورطين في توسيع المستوطنات، مشيرةً في الوقت ذاته إلى أن دولاً أخرى ستنضم إلى هذه الجهود.
وصرّح وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند، بأن التدابير ستشمل أيضاً قطاعات خدمية مثل البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات، فضلاً عن الإعلانات المرتبطة بالمستوطنات. وتتوقع المملكة المتحدة أن تدخل التشريعات حيز التنفيذ في غضون فترة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر.
وفي اليوم نفسه، أكدت كل من فرنسا وكندا سريعاً عزمهما اتخاذ خطوات مماثلة، بينما انضمت الدنمارك وفنلندا وأيرلندا وأيسلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد إلى بيان أوسع نطاقاً، أعلنت فيه هذه الدول أنها ستفرض قيوداً وطنية، أو تدعم قيوداً أوروبية، أو تدرس اتخاذ تدابير أخرى. وكانت أيرلندا وإسبانيا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى قد اتخذت بالفعل خطوات ضد التجارة المرتبطة بالمستوطنات.
وفي بيان مشترك، برّرت الحكومات هذه الخطوة بضرورة ضمان حل الدولتين في المستقبل، مشيرةً إلى توسع المستوطنات وتصاعد عنف المستوطنين. كما سُلّط الضوء على عامل رئيسي آخر يتمثل في قرار “إسرائيل” طرح مناقصات لمشروع “E1” المثير للجدل، وهو المشروع الذي يرى منتقدوه أنه يقسم الضفة الغربية إلى أجزاء منفصلة، مما يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً شبه مستحيل.
وجاء الرد الإسرائيلي حازماً؛ إذ وصف الرئيس إسحاق هرتسوغ العقوبات بأنها “خطأ فادح في التقدير”، بينما أعلن وزير الخارجية، جدعون ساعر، إجراءات انتقامية ضد بريطانيا، تشمل إغلاق قنصليتها في القدس الشرقية ومنع دخول عدد من المواطنين البريطانيين إلى “إسرائيل”.
في المقابل، اتسم رد فعل واشنطن بقدر أكبر من الغموض، مخالفاً بذلك التوقعات التي رجحت تدخلاً سريعاً من البيت الأبيض لدعم حليفته الوثيقة. ورغم أن السفير الأميركي لدى “إسرائيل”، مايك هاكابي، هاجم في البداية القرار البريطاني وألمح إلى إمكانية رد واشنطن عليه، فإن البيت الأبيض نأى بنفسه لاحقاً عن تصريحاته.
وأفاد موقع “أكسيوس” بأن إدارة ترامب كانت على علم مسبق بالقرار قبل الإعلان عنه، ولم تطلب من بريطانيا التخلي عن الخطة. ورغم أن هذا الموقف لا يرقى إلى مستوى الدعم الأميركي للعقوبات، فإن غياب أي تحرك أميركي فوري لعرقلتها يُعد أمراً لافتاً.
عقبات التنفيذ
يتمثل التحدي الأول أمام المملكة المتحدة وفرنسا وكندا ودول أخرى في تحديد ماهية العقوبات التي تفرضها بدقة، وكيفية إثبات المخالفات المرتبطة بها.
وفي هذا الصدد، صرّح جيمس موران، سفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى الشرق الأوسط والباحث الأول حالياً في “مركز دراسات السياسة الأوروبية”، لموقع “المونيتور” قائلاً: “لن يكون تنفيذ حظر التجارة في منتجات المستوطنات أمراً سهلاً، رغم أن تحذير المستوردين من عدم قانونية هذا الأمر سيشكّل رادعاً قوياً”.
وثمة صعوبة بالفعل في التمييز بين منتجات المستوطنات والسلع الأخرى، بسبب تداخل سلاسل التوريد، ولأن الإحصاءات التجارية الإسرائيلية تدرج عادةً إنتاج المستوطنات ضمن الصادرات الوطنية.
ورغم أن الإطار التجاري القائم بين المملكة المتحدة و”إسرائيل” يفرض بالفعل ضرورة التمييز بين السلع المنتجة في المستوطنات وتلك المنتجة داخل “إسرائيل”، فإن تتبع منشأ البضائع أثبت أنه أمر صعب؛ إذ زعمت منظمة “غلوبال إيكو” (Global Echo) غير الربحية المعنية بالشؤون القانونية، في تحقيق أجرته في وقت سابق من هذا العام، أن منتجات زراعية من المستوطنات قد وُسمت أحياناً بشكل مضلل على أنها إسرائيلية المنشأ.
وتشكّل الخدمات تحدياً أكبر فيما يتعلق بإنفاذ هذه الإجراءات؛ فبينما تتمتع شحنات المنتجات بمنشأ مادي يمكن لمسؤولي الجمارك، نظرياً، التحقق منه، فإن التعامل مع الخدمات، التي تتراوح بين القروض المصرفية وتراخيص البرمجيات، يطرح تحدياً أكثر تعقيداً. ورغم أن القيود المقترحة من جانب المملكة المتحدة تشمل الخدمات، فإن فرنسا وكندا ودولاً أخرى لم توضح بشكل كافٍ ما إذا كانت تدابيرها ستمتد لتشمل ما هو أبعد من السلع المادية.
عامل حاسم في الانتخابات
من المتوقع أن تلعب الخلفية السياسية دوراً حاسماً؛ إذ تتجه “إسرائيل” نحو انتخابات في 27 تشرين الأول/أكتوبر ستحدد ما إذا كانت الحكومة الحالية، التي تنتمي إلى اليمين المتطرف، قادرة على التمسك بالسلطة. وقد أشار “ياشيف” إلى أن هذه النتيجة قد تؤثر في المسار الاقتصادي؛ فإذا بقي نتنياهو أو حكومة مماثلة في السلطة، فإن “مخاطر فرض عقوبات ستزداد”، في حين لفت إلى أن هذه الإجراءات قد تُعلّق، مؤقتاً على الأقل، إذا تمكنت المعارضة من تشكيل الحكومة.
وبالمثل، حذّر “موران” من الخطوات المستقبلية قائلاً: “أشك في اتخاذ أي إجراء إضافي قبل الانتخابات الإسرائيلية. ولكن إذا أُعيد انتخاب ائتلاف نتنياهو ولم تتغير السياسات، فستتزايد الضغوط لتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل”، سواء كلياً أو جزئياً”.
ومن شأن خطوة كهذه أن تكون لها تداعيات أعمق بكثير؛ إذ تمثل الاتفاقية نحو ثلث إجمالي تجارة السلع الإسرائيلية، كما أن قطاع الخدمات يجعل حجم العلاقة الاقتصادية أكبر من ذلك.
رسالة تحذيرية
وفي غضون ذلك، أوضح “موران” أن الهدف السياسي من القيود التجارية بات واضحاً بالفعل، قائلاً: “الهدف الرئيسي من هذا الإجراء هو توجيه رسالة سياسية قوية إلى الحكومة الإسرائيلية مفادها أن الاستمرار في دعم التوسع الاستيطاني والسماح بعنف المستوطنين ضد التجمعات الفلسطينية له عواقب حقيقية”. وأضاف: “إن رد الفعل الإسرائيلي الغاضب تجاه إعلان المملكة المتحدة يثبت أن الرسالة قد وصلت بوضوح”.
وتشير لوسي كورتزر-إلينبوغن، وهي باحثة أولى في “معهد الشرق الأوسط”، إلى أن الإجراءات الحالية تحمل تداعيات دبلوماسية أكثر منها اقتصادية، نظراً إلى نطاقها المحدود وطول الفترة الزمنية اللازمة لتنفيذها.
وتكمن المسألة الأهم في احتمال توسع هذا النهج؛ إذ صرّحت كورتزر-إلينبوغن لموقع “المونيتور” قائلة: “إذا أضفنا إلى ذلك حالة الغموض الراهنة بشأن رد فعل واشنطن، الذي يبرز فيه غياب أي اعتراض حازم، فقد نشهد وضعاً تتفاقم فيه التأثيرات الدبلوماسية والاقتصادية وتتصاعد حدتها، مما قد يلقي بظلاله على الاقتصاد الإسرائيلي ككل وعلى الدعم الدبلوماسي، وذلك في ظل تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة وتزايد عزلة إسرائيل”.




