ضربة المحكمة العليا

د. عبد الله الردادي – الشرق الأوسط:
وجّهت المحكمة العليا الأميركية ضربة للرئيس دونالد ترمب حين قضت بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة بإبطال معظم الرسوم الجمركية التي فرضها استناداً إلى قانون الطوارئ الاقتصادية لعام 1977. وأعاد هذا القرار رسم حدود السلطة التنفيذية في إحدى أكثر أدوات ترمب استخداماً، وهو الذي يسمي نفسه «رجل الرسوم الجمركية». واللافت في التصويت أن اثنين من القضاة الذين عيّنهم ترمب خلال ولايته السابقة، انضما إلى رأي الأغلبية ضده، في مشهد عكس استقلال المؤسسة القضائية الأميركية حتى في ظل أغلبية محافظة داخل المحكمة، فعلامَ استند هذا القرار؟ وما هي انعكاساته؟ وما هي بدائل ترمب للرد عليه؟
كتب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس بوضوح أن مهمة المحكمة تقتصر على تحديد ما إذا كانت سلطة «تنظيم الاستيراد» في قانون الطوارئ تشمل فرض رسوم جمركية، وأجاب بشكل قاطع أنها «لا تشمل ذلك»، وأكد أن الكونغرس حين يمنح سلطة فرض تعريفات يفعل ذلك «بوضوح وبقيود دقيقة»، وهو ما لم يتوافر في هذا القانون. وشدّد الحكم أيضاً على أن أي رئيس سابق لم يستخدم قانون الطوارئ لفرض تعريفات، وأن نصه لا يتضمن كلمات مثل «تعريفة» أو «رسم» أو «ضريبة». وعليه، فقد رأت الأغلبية أن الرئيس لا يمكنه الاستناد إلى نص عام لتنفيذ سياسة ذات أثر اقتصادي ضخم، معتبرة أن فرض رسوم غير محدودة من حيث المبلغ والمدة والنطاق يتطلب تفويضاً تشريعياً صريحاً.
وفي حين كان القرار قانونياً في جوهره، إلا أن تداعياته مالية بحتة، فالإيرادات المحصلة بموجب هذه الرسوم قُدرت بنحو 133 مليار دولار حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول)، فيما قدّر «مختبر الموازنة» في جامعة ييل أن الرقم بلغ 142 مليار دولار في عام 2025، وذهبت تقديرات أخرى إلى احتمال وصول الإجمالي إلى 200 مليار دولار، ومع إبطال الأساس القانوني لهذه الرسوم، باتت الشركات الأميركية تصطف للمطالبة باسترداد ما دفعته، في عملية قد تتجاوز 130 مليار دولار. وكان رد ترمب على الاسترداد متوقعاً، وهو أن استرداد الرسوم لن يتم إلا عن طريق المحاكم وقد يستغرق ذلك خمس سنوات، والمحكمة العليا نفسها لم تحسم مسألة الاسترداد، وتركت الأمر لمحكمة التجارة الدولية لتحديد آلية التعويض، هذا الفراغ الإجرائي يعني أن عملية الاسترداد قد تكون طويلة ومعقدة كما صرح ترمب، وربما تتم بدراسة كل حالة على حِدة، ومع احتمال تدفق المدفوعات تدريجياً على مدى شهور أو حتى سنوات، وهو ما يعني أن عملية الاسترداد قد تتحول إلى فوضى لا سيما أن بعض الشركات نقلت بالفعل تكلفة الرسوم إلى المستهلكين.
رد ترمب على القرار بمجمله كان رداً جاء سريعاً وغاضباً، بداية وصف القرار بأنه «مخزٍ» وهاجم القضاة الذين صوتوا ضده، معتبراً أنهم «غير وطنيين»، وأبدى استياءه من أن الحكم لم يتناول بوضوح مسألة الاسترداد، لكنه في الوقت ذاته، لم ينتظر طويلاً قبل الإعلان عن «الخطة البديلة»، وأعلن اللجوء إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 لفرض تعريفة عالمية بنسبة 10 في المائة (حسب تصريحه يوم الجمعة)، رفعها في اليوم الذي يليه إلى 15 في المائة. ويحق نظاماً للرئيس فرض هذه التعريفة لمدة لا تتجاوز 150 يوماً دون موافقة الكونغرس، كما أشار إلى إمكانية استخدام أدوات أخرى مثل المادة 301 المرتبطة بالممارسات التجارية غير العادلة، أو المادة 232 الخاصة بالأمن القومي، إلا أن هذه البدائل تختلف جوهرياً عن أداة الطوارئ التي أبطلتها المحكمة؛ إذ تضع قيوداً زمنية ونسبية، وتتطلب في بعض الحالات تحقيقات وإجراءات مراجعة قبل التطبيق.
الأسواق تلقت قرار المحكمة العليا بشكل إيجابي، فارتفع مؤشر «إس آند بي 500» بنحو 0.7 في المائة عقب صدور القرار، كما صعدت أسهم شركات أوروبية في قطاعات السيارات والسلع الفاخرة، ووفق التقديرات فإن متوسط التعريفة الفعلي انخفض بنحو 7.8 نقطة مئوية نتيجة الحكم، وهو خبر سعيد للشركات والمستوردين، حتى وإن كان مؤقتاً في ظل عدم اليقين، واحتمال فرض رسوم بديلة خلال الأسابيع المقبلة.
ويؤثر عامل التوقيت في هذا الاحتمال، فهذا العام سيشهد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، ومع استمرار الضغوط المتعلقة بتكاليف المعيشة وتباطؤ النمو، يحرص الحزب الجمهوري على تجنب تحميله مسؤولية ارتفاع الأسعار أو اضطراب سلاسل الإمداد، وبعض الجمهوريين رأوا في القرار تأكيداً على قوة نظام الضوابط والتوازنات، بينما يجد ترمب نفسه أمام معادلة دقيقة، فالتصعيد قد يعزز صورته كمدافع عن الصناعة الأميركية، لكنه قد يفاقم المخاطر الاقتصادية قبيل الانتخابات.
أما على الصعيد الدولي، فإن هذا القرار سيعطي أفضلية للدول التي لا تزال تتفاوض مع الحكومة الأميركية حول قرارات التعريفة ومنها الهند على سبيل المثال، وإن كانت هذه الورقة ليست بتلك القوة مع وجود مواد قانونية بديلة يمكن الاستناد عليها، إلا أن الأكيد أن ملف التعريفة الجمركية سيختلف شكله بعد اليوم، ولن يتمكّن ترمب من استخدامه على النحو المطلق الذي اعتاد عليه.




