صفقة النفط الفنزويلية تتعلق في الواقع بالصين

كريغ روتش وجون غارنيت – مجلة “ذا ناشونال إنترست” الأميركية:
قد يؤدي تحرك واشنطن في قطاع النفط الفنزويلي إلى إعادة تشكيل النفوذ الصيني في أميركا اللاتينية.
أعلن الرئيس دونالد ترامب مؤخراً عن اتفاقية نفطية تاريخية تضمن هيمنة الولايات المتحدة على الطاقة وتساهم بدفع عجلة الاقتصاد الفنزويلي نحو التعافي. ظاهرياً تتمحور الاتفاقية حول النفط، بينما وصف البيت الأبيض الاتفاقية بأنها “أكبر صفقة نفطية في التاريخ”، والتي تمنح الحكومة الأميركية “السيطرة على أكثر من 65 مليار برميل من احتياطيات النفط الفنزويلي المؤكدة”، أي ما يعادل 20% من إجمالي احتياطيات فنزويلا.
تمنح الاتفاقية شركة “نورث أميركان بلو إنرغي بارتنرز” امتيازات في الحقول النفطية وحق استخراجه، كما تمنح مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الدفاع الأميركية حصة 35% في الشركة، حيث بين ليلة وضحاها، أصبح البنتاغون شريكاً مع ثاني أكبر شركة نفط من حيث الاحتياطيات المؤكدة في العالم، بعد شركة أرامكو السعودية المدعومة من الدولة. وبالنسبة لمؤيدي الصفقة والذين يحتفون بها، يرونها أنها تعزز نفوذ الولايات المتحدة في سوق النفط العالمية، وتدعم أمنها الطاقي، مع احتمالية خفض أسعار الوقود.
مع ذلك، الأهمية الحقيقية لاتفاقية فنزويلا لا تكمن في النفط، بل في الصين، بينما واشنطن وبيجين منخرطتان في حرب باردة ثانية يخوضها البلدان على جبهات متعددة، من تأكيد استقلال تايوان الإقليمي، والتعريفات الجمركية والتجارة العالمية إلى فول الصويا وأشباه الموصلات، والتجسس وسرقة الملكية الفكرية، وحتى سباق الفضاء على سبيل المثال لا الحصر.
كذلك يقر البيت الأبيض بأن اتفاقية النفط مع فنزويلا تعيد تأكيد “مبدأ مونرو”، الذي يهدف إلى إبعاد القوى الأجنبية عن نصف الكرة الغربي، حيث “أعاد الرئيس ترامب ترسيخ المبدأ، وطهر المنطقة من النفوذ الأجنبي الخبيث من جوارنا، وضمن الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الأرضية الغربي”. ويضيف البيت الأبيض كيف أن امتيازات حقول النفط الممنوحة لشراكة البنتاغون “كانت سابقاً تحت سيطرة أو تشغيل شركات روسية وصينية”، وأن “هذه الجهات الأجنبية الخبيثة نهبت موارد فنزويلا لصالح خصوم أميركا.
بينما تركز معظم تحليلات صفقة النفط على الجوانب الاقتصادية، وتتمحور حول الدولارات والبراميل، فإن القصة الحقيقية هنا هي قصة جيوسياسية، حيث تتطلع الولايات المتحدة بشكل متزايد إلى الحد من نفوذ الصين على الصعيد العالمي.
العلاقات الصينية العميقة مع فنزويلا في خطر
تقول لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الولايات المتحدة والصين عن فنزويلا، بأنها إحدى “أقرب شركاء الصين في أميركا اللاتينية”، وتشير إلى أن “بيجين طورت علاقات اقتصادية متينة مع كراكاس” منذ مطلع القرن الجاري. فلقد أقرضت الصين فنزويلا مبالغ تفوق ما أقرضته لي دولة أخرى في أميركا اللاتينية، كما كانت تشتري الصين 50% من نفط فنزويلا قبل التدخل الأميركي، في حين أتاحت فنزويلا للصين بإنشاء محطات تتبع الأقمار الصناعية والتحكم بها من داخل البلاد.
كذلك، على فنزويلا قروضاً مستحقة للصين تتراوح بين 10 و15 مليار دولار، وهي غير استثمرت الصين بمليارات أخرى في البنية التحتية الفنزويلية لتسهيل صادرات النفط. وبقرار إداري، شلت إدارة ترامب جزءاً كبيراً من هذا الاستثمار والنفوذ الصيني. وقد أوضح وزير الطاقة الأميركي كريستوفر رايت أن أرباح شراكة البنتاغون مع برنامج دعم الصادرات النفطية الوطنية لن تستخدم لسداد أي ديون فنزويلية، بل ستعود بالفائدة على الولايات المتحدة وفنزويلا.
صفقة النفط الفنزويلية تواجه تساؤلات قانونية واقتصادية
يشكك المحللون عن حق، في شرعية الصفقة وجدواها الاقتصادية، نظراً لغموض التفاصيل المتاحة حول كيفية تنفيذها على أرض الواقع. فعلى سبيل المثال، يعتبر تكرير النفط الخام الثقيل الخاضع حالياً للسيطرة الأميركية مكلفاً. كما أن الشريك الذي اختارته الولايات المتحدة وهي “نورث أميركان بلو إنرغي بارتنرز” لديها تاريخ محدود في التطوير التكنولوجي اللازم لإطلاق الإمكانات التجارية لهذه الحقول النفطية. والأكثر إشكالية، أن الصفقة تشترط أن تتألف أغلبية مجلس الإدارة من مواطنين أميركيين، ويحق للحكومة الأميركية وضع فيتو على أي عضو في مجلس إدارة هذه الشراكة الجديدة. وبالنظر إلى حصة الحكومة الأميركية البالغة 35% في المشروع، فإن هذا يمنحها فعليا سيطرة عملية على الصفقة برمتها.
رأسمالية أميركا تصنع مخاطرها الخاصة
إن الرأسمالية الموجهة من الدولة على هذا النحو، هي وصفة أكيدة للفشل في تحقيق أقصى قدر من الكفاءة والأرباح، وهي جزء من اتجاه مقلق يتمثل في استحواذ الولايات المتحدة على أسهم في شركات، من ضمنها العاملة في قطاع المعادن الحيوية، ورقائق أشباه الموصلات والصلب. كما أن الولايات المتحدة تخاطر بخسارة معركة ضد الصين في الحرب الباردة الثانية إذا لم تتصرف بحكمة في فنزويلا أمام أنظار العالم أجمع.
نجاح الاتفاق سيحدد مستقبل فنزويلا السياسي
يجب على الولايات المتحدة الالتزام بسيادة القانون المعمول بها، والإجابة على نحو حاسم على جميع الأسئلة المتعلقة بشرعية الصفقة وحق الولايات المتحدة في المشاركة في استخراج النفط على الأراضي الفنزويلية. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تتم جميع عمليات البيع والشراء، من ضمنها تلك التي تتم من قبل أو لصالح شركة “نورث أميركان بلو إنرغي بارتنرز” من خلال عمليات شراء تنافسية، لأنه السبيل الوحيد لإطلاق الإمكانات التجارية للنفط الفنزويلي عبر الابتكار في استخراج النفط الثقيل وتكريره وتوزيعه، ويمكنه أن يثبت للعالم مرة أخرى فعالية الرأسمالية الديمقراطية في تنمية الاقتصاد، الأمر الذي سيعود بالنفع على الفنزويليين جميعهم.
كما يجب على الولايات المتحدة أن تستغل تدخلها في فنزويلا لإزالة النفوذ الصيني وإثبات فعالية وتفوق الرأسمالية الديمقراطية على رأسمالية الدولة. وفي النهاية لا بد من تحقيق تقدم جوهري في الديمقراطية في فنزويلا حتى يعتبر اتفاق النفط ناجحاً اقتصادياً وجيوسياسياً وأخلاقياً. وإذا نجحت الولايات المتحدة في ذلك فستكون العملية نصراً كبيراً على الصين.




