
سعيد محمد – الأخبار:
يمنح اتفاق النفط الموقّع بين واشنطن وكاراكاس، والذي هو عقد طويل الأجل، الولايات المتحدة الهيمنة على جزء مهمّ من احتياطيات فنزويلا، وذلك في مقابل تمديد عمر نظام الأخوَين ديلسي وخورخي رودريغيز، وترسيخ بقائهما في السلطة.
مساء الجمعة الماضي، اختار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منصّته الخاصة «تروثسوشال» كي يعلن دخول الولايات المتحدة في «أكبر صفقة نفطية في تاريخ العالم»، مقدّماً الاتفاق الموقّع مع سلطات فنزويلا باعتباره استحواذاً أميركياً على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات الفنزويلية المؤكّدة، موزّعة على سبعة عشر حقلاً تمثّل قرابة خُمس احتياطيات بلد يملك أكبر مخزون نفطي مثبت عالمياً.
وأضاف إعلان ترامب، المتخم بمفردات المنتصر، نفط فنزويلا إلى ميزان موارد الولايات المتحدة، رابطاً ما سمّاه «الصفقة» بمضاعفة الاحتياطيات الأميركية وخفض أسعار الوقود لعقود، بينما وصف ماركو روبيو، وزير الخارجية، تلك النتيجة بأنها مكسب للطرفَين يفتح الطريق أمام استثمارات خاصة تقارب مئة مليار دولار. ولعلّ صدور الخبر من واشنطن قبل التحدّث عنه في كاراكاس، أظهر طبيعة الهيمنة التي تمارسها السلطات الأميركية في إدارة شؤون فنزويلا، تاركةً لنظام ديلسي رودريغيز، الرئيسة المؤقّتة، مهمّة شرح الشروط للفنزويليين بعد تثبيت رواية إدارة ترامب.
ومثّل الاتفاق نتيجة منطقية لمسار بدأ بالهجوم العسكري الأميركي في الثالث من كانون الثاني الماضي، حين اقتحمت قوات خاصة مقرّ فويرتي تيونا الرئاسي المحصّن في كاراكاس، واقتادت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس إلى سجن في نيويورك. وانتقلت صلاحيات الرئاسة، إثر ذلك، بدعم سريع من إدارة ترامب إلى نائبة الرئيس، رودريغيز، التي سارعت إلى إبعاد غالبية وزراء مادورو وعدد من كبار القادة العسكريين الموالين له، كما عزّزت مواقع المقرّبين منها ومن شقيقها خورخي رئيس البرلمان، وعمدت إلى تكميم الخطاب المناهض للولايات المتحدة، فاتحةً في الوقت نفسه أبواب التعاون مع إسرائيل. أيضاً، أغفلت رودريغز قضية مادورو وفلوريس خلال خمس جلسات تفاوضية مع المعارضة امتدّت قرابة أسبوعَين، فيما اختفت تدريجياً لافتات المطالبة بالإفراج عنهما من الشوارع الرئيسة، وطُمست جداريات مادورو وتشافيز، وأزيلت صورهما من المكاتب الحكومية، وحلّ الأزرق المرتبط برودريغيز تدريجياً محلّ الأحمر التشافيزي، وانتقل التلفزيون الرسمي من وصف العملية الأميركية بالاختطاف إلى تسمية مادورو بأنه «أسير حرب».
في تلك الأثناء، حافظت واشنطن على شبكة العقوبات المفروضة على الجمهورية البوليفارية في عهود الرئيسَين (هوغو) تشافيز ومادورو، لكنها منحت تراخيص انتقائية لشركات تختارها وزارة الخزانة الأميركية، كما سيطرت على قنوات بيع الخام وعلى توقيت تحويل جزء محدود من إيراداته إلى حكومة كاراكاس. وسبقت الصفقة تعديلاتٌ أقرّها برلمان فنزويلا سريعاً، في كانون الثاني الماضي، على قانون المحروقات، خفّضت الضرائب الحكومية، ومنحت الشركات الخاصة سلطة أوسع على التشغيل والبيع، وفتحت باب التحكيم الدولي لتسوية الخلافات بما يلائم متطلّبات رأس المال الغربي.
وبنتيجة كلّ تلك الديناميات، أبصرت النور صفقة التنازل عن النفط، التي قدّمتها رودريغيز باعتبارها اتفاقاً ثنائياً يمتدّ لخمسة وعشرين عاماً، يستهدف تطوير سبعة عشر حقلاً، ورفع الإنتاج إلى أكثر من 1.5 مليون برميل يومياً، إلى جانب بدء العمل في ثمانية مربّعات استكشاف جديدة واتفاقات لاحقة مع «شيفرون» (الأميركية) و«بي بي» (البريطانية) و«ريبسول» (الإسبانية). في المقابل، تحدّث مسؤولون أميركيون عن امتيازات تشغيل تصل إلى مئة عام، وعن حصول الولايات المتحدة على 55 في المئة من الناتج الفعلي، تتوزّع -وفق الرواية المنشورة- بين حصة ملكية خاملة تبلغ 35 في المئة، وحق تفضيلي في شراء 20 في المئة من الإنتاج بسعر التكلفة. وتحمل الفجوة بين المدّتَين -الأميركية والفنزويلية- غموضاً مريباً، خاصة مع غياب نصّ الاتفاق وتضارب الروايات حول مكتب رأس المال الاستراتيجي في «البنتاغون»، الذي حصر متحدّثه صلاحياته في التمويل والمساعدة الفنية، بينما نسبت التقارير إليه أدوات تمنح واشنطن حصّة شبه مجانية.
تحصل رودريغيز على اعتراف واشنطن بها وعلى حمايتها لحكمها
وقالت رودريغيز إن المشروع سيجذب أكثر من مئة مليار دولار من الاستثمارات، ويؤمّن للخزينة 209 مليارات دولار من الإيرادات، وذلك وفق سعر مرجعي قدره 65 دولاراً للبرميل وحصّة مباشرة للدولة تقارب 19 دولاراً عن كلّ برميل منتج ومباع. كما أكدت بقاء ملكية الموارد والسيادة القانونية عليها في يد الجمهورية. لكن خبراء أوضحوا أن القدرة الفعلية على تحديد وتيرة الإنتاج والوجهة والسعر والتدفّقات النقدية، تنحصر في يد الجانب الأميركي بغضّ النظر عن سند المُلكيّة.
وسيتولّى تنفيذَ المشروع الجديد تحالفٌ يجمع الدولة الأميركية ورأس المال الخاص وشريحة رجال أعمال فنزويلية من محاسيب الحزب الحاكم. وكان قاد المفاوضاتِ مع رودريغيز كلٌّ من روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، بينما كُلفت شركة «نورث أميركان بلو إنرجي بارتنرز» (المسجلة في باربادوس)، التي يقودها أليخاندرو بيتانكورت لوبيز، إدارة العمليات. وتنتج هذه الشركة قرابة مئتي ألف برميل يومياً، وتطمح إلى اقتراض خمسة مليارات دولار لبلوغ مليون برميل خلال خمس سنوات، علماً أن مديرها، بيتانكورت، صعد عبر عقود كهرباء منحتها له الحكومة البوليفارية، شأنه شأنه طبقة من «الأثرياء البوليفاريين» التي راكمت ثروتها في المنطقة الرمادية، الواقعة عند تقاطع الدولة والصفقات التجارية والمقاولات. ومن شأن الغطاء الأميركي الممنوح له الآن، أن يفتح أمامه بوابات التمويل والمعدّات الحديثة والحماية، في وقت تتعرّض فيه شركة النفط الوطنية الفنزويلية (بيديفيسا) لخطر التحوّل من قطب السيادة الإنتاجية إلى مدير عقود ثانوي عند الشركات الأجنبية.
وتتّضح صورة المستفيدين بصورة أكبر، حين توضع الصفقة داخل سياق الاقتصاد السياسي للطاقة؛ إذ تكسب الولايات المتحدة عبرها مورداً ضخماً من الخام الثقيل القريب من مصافي الساحل الأميركي على خليج المكسيك، وتخفّف اعتمادها على الواردات الكندية والمكسيكية، وتوسّع قدرتها على مواجهة اضطراب الإمدادات الناتج من عدوانها على إيران، كما تقطع وصول الصين وروسيا وإيران إلى النفط الفنزويلي. بالإضافة إلى ذلك، تكسب إدارة ترامب مادة انتخابية مرتبطة بأسعار البنزين قبل انتخابات تشرين الثاني المقبل، حتى مع حاجة الحقول والبنية التحتية إلى سنوات ومليارات الدولارات قبل إحداث أثر واسع في الأسواق، في حين تحصل الشركات الأميركية على نفط رخيص بضمانة سياسية وعسكرية، ويحوز بيتانكورت وشركاؤه ترقية تاريخية من رأسمالي محلّي خادم للسلطة إلى وسيط بين الإمبراطورية والباطن الفنزويلي.
من جهتها، تحصل رودريغيز على اعتراف واشنطن بها وعلى حمايتها لحكمها، في حين تمنح الصفقة النخبة المحيطة بالرئيسة فرصة لإعادة إنتاج امتيازاتها. كما يمكن أن تتوفّر للطبقات الأوفر حظاً فرص للاستفادة من تسهيل تدفّقات رأس المال وانتقال التكنولوجيا، وربما وظائف في صناعة النفط لدى الشركات الأجنبية، لا سيما بعدما تراجع الإنتاج الوطني من قرابة ثلاثة ملايين برميل يومياً إلى نحو 1.25 مليون في عهد مادورو -وهو تراجع ناجم عن الحصار الأميركي الخانق، توازياً مع سوء الإدارة والفساد وتآكل الكفاءة داخل «بيديفيسا»-.
وتوجّهت رودريغيز بالشكر العميق إلى ترامب وروبيو والحكومة الأميركية، متبنّيةً، في خطابها إلى الأمّة الفنزويلية، سردية «الازدهار» والوظائف والأجور والمساكن والخدمات، ورابطةً استخراج الاحتياطيات بتحويلها من مخزون إلى منفعة اجتماعية، قبل أن تشيد بما سمّته «الدبلوماسية» التي تنقل الخلاف إلى تعاون، والتعاون إلى استثمار. من جهته، أصدر «الحزب الاشتراكي الموحد» (الحاكم) بياناً تعلوه للمفارقة صورة الزعيم الراحل تشافيز، أعلن فيه «الدعم الكامل» لصفقة رودريغيز، واصفاً الاتفاق بأنه أداة لتجاوز آثار العقوبات واستعادة الخدمات وتحسين الدخل، مشيداً بما تضمّنه من احترام للدستور وتعزيز لـ«السيادة الوطنية».
في المقابل، ومن داخل المجال التشافيزي، وصف رافائيل راميريز، وزير النفط السابق ورئيس «بيديفيسا» طوال عقد حكم تشافيز تقريباً، الاتفاق بأنه استعمار أميركي جديد وتسليم للبلاد مقابل البقاء في السلطة، وطالب «الحزب الاشتراكي» بالخجل ورفع صورة تشافيز عن بيان التأييد. كما اعتبر النائب الاشتراكي السابق، وليام رودريغيز، الصفقة أكبر خيانة نفطية في تاريخ البلاد، وربَطها بتجاوز البرلمان والدستور، بينما عبّر مانويل كيفيدو عن ألمه تجاه مستقبل الدولة البوليفارية. وفي وسط كاراكاس، تجمّع عشرات من منسوبي «الجبهة الشعبية لمناهضة الإمبريالية» و«اتحاد العمّال الثوري» ومنظمات يسارية أخرى، رافعين يافطات تطالب بخروج اليانكيين والصهاينة، والدفاع عن الوطن في مواجهة صفقات البيع، متّهمين الطرفَين بعقد اتفاق غامض من وراء إرادة الشعب.
أمّا المعارضة اليمينية، التي كرّرت الرغبة في إنهاء نظام الحكم القائم، فعبّر بعض وجوهها عن الخشية من تحوّل البلاد إلى محميّة أميركية. ورأى خوان بابلو غوانيبا في الصفقة فرصة محتملة للحصول على استثمار أجنبي لإحياء صناعة النفط، لكنه ربط نجاحها بانتخابات حرّة ودولة قانون ومؤسّسات تدير الموارد بشفافية، بينما ركز هنريكي كابريليس على غموض الاتفاق وسِجل الفساد، وعلى بقاء المسؤولين أنفسهم الذين قادوا انهيار «بيديفيسا». ووصف الاقتصادي ووزير التخطيط الفنزويلي السابق، ريكاردو هاوسمان، بدوره، الصفقة بالمخزية، واتهم روبيو بتسخير القوة الأميركية للتفاهم مع سلطة تفتقر إلى الشرعية الدستورية، في حين عبّر بعض أنصار ماريا كورينا ماتشادو عن قبول التنازل عن ثروة نفطية مقابل الحرية، شريطة أن تقود الكلفة إلى انتقال سياسي فعلي بدل تثبيت رودريغيز وعصابتها في موقع السلطة.
وهكذا، تُخْضِعُ الصفقة فنزويلا لاستعمار تعاقدي طويل المدى خرج من رحم الغزو والعقوبات والفساد، وتضع إدارة رودريغيز أمام تعريفها التاريخي بوصفها سلطة اختارت استمرارية بقائها عبر تسليم ثروة الجمهورية إلى الإمبراطورية التي حاصرتها، واختطفت رئيس البلاد الشرعي المنتخَب دستورياً، ونهبت عائداتها.




