صفعة جديدة لليمين: طلاب صربيا يسقطون فوتشيتش

سعيد محمد – الأخبار:
حصدت «قائمة الطلاب» أغلبية مطلقة في الانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا، منهيةً هيمنة حزب ألكسندر فوتشيتش الحاكم منذ 2012، فيما تواجه الحركة الفائزة تحدّي ترجمة مطالبها الإصلاحية إلى برنامج حكومي قابل للتنفيذ.
أظهرت النتائج ما قبل النهائية للانتخابات البرلمانية المبكرة في صربيا، حصول «قائمة الطلاب – الطلاب ينتصرون» على أغلبية مُطلقة في الجمعية الوطنية، التي تضمّ 250 مقعداً، وتقدّمها على منافِستها التي يقودها «الحزب التقدّمي الصربي» الحاكم، ذو التوجّه اليميني الشعبوي. وبعدما شهد يوم الاقتراع مشاركة واسعة، تجلّت في تشكّل طوابير طويلة أمام مراكز التصويت في المدن والقرى، وكذلك في عدد من مراكز اقتراع الجاليات الصربية في الخارج، بيّنت النتائج الأولية حصول القائمة الطالبيّة على نحو 53 في المئة من الأصوات ونحو 140 مقعداً، في مقابل نحو 39 في المئة لقائمة الحزب الحاكم، مع ذهاب المقاعد المتبقّية إلى الأقلّيات القومية. وأقرّ الرئيس الصربي وزعيم «التقدّمي»، ألكسندر فوتشيتش، الذي كان استقال من الرئاسة في أيلول الماضي، سعياً إلى العودة إلى رئاسة الوزراء عبر الانتخابات المبكرة – بعدما سبق له شغل المنصب -، بالهزيمة، معترفاً من مقرّ حزبه في بلغراد بأن «قائمة الطلاب فازت». وجاء هذا الاعتراف المبكر ليكرّس تحوّلاً سياسياً أنهى هيمنة الحزب الذي يحكم الجمهورية منذ 2012، معيداً إلى الأذهان سقوط الزعيم الهنغاري، فيكتور أوربان، في الانتخابات التي جرت قبل ستة أشهر.
وتعود جذور هذا التحوّل في المزاج الشعبي إلى الأول من تشرين الثاني 2024، حين انهارت مظلّة خرسانية في محطّة القطارات في مدينة نوفي ساد، في كارثة ارتفعت حصيلتها لاحقاً إلى 16 قتيلاً. وأثارت تلك الحادثة شبهات فساد وإهمال في أعمال تجديد المحطّة، فيما تحوّلت إلى رمز للغضب من نظام فوتشيتش، وانطلقت على إثرها احتجاجات طالبيّة واسعة سرعان ما امتدّت لتشمل معلمين ومزارعين ومهنيين، بمطالب أوّلية تركّزت على الشفافية والمحاسبة. وبعد أشهر من التظاهرات، التي شهدت واحداً من أكبر حشودها في بلغراد في 15 آذار 2025، انتقلت الحركة من الاحتجاج إلى خوض الانتخابات عبر تشكيل «قائمة الطلاب – الطلاب ينتصرون». وإذ اختار الطلاب مرشّحيهم من خلال جمعياتهم واجتماعاتهم المفتوحة في كلّياتهم، فقد استقرّت القائمة على 250 مرشحاً من أطباء وأكاديميين وفنانين ورياضيين وغيرهم، من بينهم لاعب كرة السلة السابق ديجان بوديروغا، والممثّل تيهومير ستانيتش، ومغنّي الأوبرا نيكولا ميكيتش، ومحافظ البنك الوطني السابق ديجان شوشكيتش.
وتواجه الحركة الفائزة، التي توصف بأنها تحالف احتجاجي واسع أكثر من كونها حزباً تقليدياً، تحدّياً بنيوياً يتمثّل في غياب قيادة فردية موحّدة لها، والحاجة إلى ترجمة مطالبها الإصلاحية إلى برنامج حكومي قابل للتنفيذ. وتواصل «الطلاب ينتصرون»، التي اتّخذت قراراتها عبر اجتماعات عامّة طوال نحو عامَين، مشاوراتها بشأن مرشّحها لرئاسة الوزراء، فيما يتصدّر اسم الطبيب إيليا سردانوفيتش، أستاذ أمراض القلب في جامعة نوفي ساد، قائمة الأسماء المطروحة لديها لتولّي المنصب، إلى جانب شوشكيتش. وفي حين يتعيّن على الحكومة المقبلة التعامل مع إرث من الفساد والولاءات الحزبية داخل مؤسّسات الدولة، فهي ستجد نفسها أمام تحدّي تلبية مطالب الناخبين المتمثّلة بمحاسبة المسؤولين عن كارثة نوفي ساد، وإصلاح المؤسسات، وفكّ قبضة «الحزب التقدّمي» عن الإعلام العام والشركات العامة، فضلاً عن مواجهة الجريمة المنظّمة التي جعلت الحركة محوراً لشعارها الانتخابي: «صربيا أو المافيا؟».
ينتظر صربيا تالياً استحقاقان دستوريان متقاربان: تشكيل حكومة جديدة، وانتخاب رئيس للجمهورية
كذلك، سيفرض ملف «فندق ترامب» في بلغراد اختباراً مبكراً للسلطة الجديدة، في ظلّ ظهور قضية تزوير وثائق لإسقاط صفة الحماية التراثية عن مبنى هيئة الأركان العامة السابق، تمهيداً لتحويله إلى مشروع تجاري بقيادة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكان المبنى، الذي قصفه «حلف شمال الأطلسي» خلال عدوانه عام 1999، مُدرجاً ضمن المعالم المحمية، فيما أثارت خطط تحويله إلى فندق ومجمع تجاري احتجاجات واسعة. ويطالب أعضاء في القائمة الطالبيّة بالتحقيق في مسؤولية كبار المسؤولين عن المشروع، بمن فيهم فوتشيتش، في حين يبقى احتمال ملاحقة الأخير شخصياً رهناً بما قد تكشفه التحقيقات من أدلّة؛ علماً أن الرئيس المستقيل سبق أن أصدر قرار عفو لم تتّضح بعد هويات جميع المستفيدين منه، وما إذا كان من بينهم أشخاص مرتبطون بالقضية.
ورحّبت رئيسة المفوّضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، بالنتائج الأولية للانتخابات الصربية، مبديَيْن استعداد الاتحاد لدعم الإصلاحات في مجالات سيادة القانون وحرية الإعلام والمؤسسات الديمقراطية. ووصفت مفوّضة الاتحاد الأوروبي للتوسّع، والمعنيّة بمفاوضات العضوية بين بروكسيل وبلغراد، مارتا كوس، بدورها، النتائج بأنها «فرصة لفتح فصل جديد في علاقة صربيا بالاتحاد»، مؤكدة أن «بابنا مفتوح». وأعلنت، في منشور على منصّة «إكس»، أنها تحدّثت مع سردانوفيتش وهنّأته بالفوز، وأنهما ناقشا أهمية بناء الثقة، معتبرةً أن الناخبين منحوا «الطلاب» تفويضاً قوياً للتغيير، وأن مطالبهم بسيادة القانون ومكافحة الفساد وحرية الإعلام تمثّل إصلاحات يمكن أن تقرّب صربيا من العضوية. وكانت اتّسمت علاقة كوس بالحكومة الصربية المنتهية ولايتها بالتوتر، وذلك على خلفية تعثّر الإصلاحات المطلوبة في مسار الانضمام إلى التكتّل. أيضاً، رحّب رئيس الوزراء الهنغاري، بيتر ماجيار، بالنتيجة، مشيراً إلى قوة الدفع التي منحها فوز حزبه في نيسان الماضي للحركة الطالبيّة الصربية. في المقابل، أشاد المتحدّث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، بمساهمة فوتشيتش في تطوير العلاقات مع روسيا، معرباً عن أمله في أن تدرك القوة السياسية الجديدة في بلغراد أن التعاون مع موسكو يخدم مصالح بلغراد.
وينتظر صربيا تالياً استحقاقان دستوريان متقاربان: تشكيل حكومة جديدة، وانتخاب رئيس للجمهورية. فبعد انعقاد البرلمان الجديد، ستُجرى مشاورات مع الكتل البرلمانية لتكليف مرشح لرئاسة الوزراء، يحتاج إلى ثقة الأغلبية، علماً أن رئيسة الجمعية الوطنية، آنا برنابيتش، تتولّى مهام الرئاسة بالنيابة، إلى حين انتخاب خلفٍ لفوتشيتش. بالتوازي، تتّجه البلاد إلى انتخابات رئاسية في كانون الأول المقبل، ما يضع الحركة الطالبيّة أمام مهمّة ترجمة فوزها البرلماني الصريح إلى سلطة تنفيذية متماسكة سريعاً، قبل أن تواجه اختباراً انتخابياً جديداً.




