رأي

صدمة «بيت شيمش»: إسرائيل تختبر الحرب… «على حقيقتـها»

أحمد العبد – الأخبار:

أصاب صاروخ إيراني ملجأً في «بيت شيمش» مخلّفاً قتلى ودماراً واسعاً، في صدمة هزّت الجبهة الداخلية. يأتي هذا في سياق اختبار إسرائيل للحرب على حقيقتها مع تصاعد كلفة المواجهة واحتمال استنزاف طويل.

لم يحتج الإسرائيليون إلى أكثر من سقوط صاروخ إيراني مباشر على ملجأ عام، على غرار ما حدث في مستوطنة «بيت شيمش»، كي يدركوا أن المواجهة مع إيران دخلت طوراً أكثر خطورة وكلفة، إذ تحوّلت تلك المستوطنة التي تقع غربي القدس المحتلة، في اليوم الثاني من العدوان على إيران، إلى عنوان لصدمة الإسرائيليين، بعدما دُمّر فيها الملجأ الذي أصابه الصاروخ الإيراني مباشرة، وتضرّرت ثمانية منازل مجاورة له «بشكل بليغ»، وفق تقديرات أولية نقلتها صحيفة «يسرائيل هيوم».

ومن المكان، وثّقت وسائل الإعلام مشاهد وُصفت بأنها «غير متوقّعة»، فيما بدا موقع الاستهداف، الذي انقطع فيه الاتصال بعدد من الأشخاص، منطقة منكوبة. وبالتوازي، تواصلت عمليات انتشال جثث المستوطنين من تحت الأنقاض، وسط حالة ذهول ولّدها حجم الدمار الكبير الذي خلّفه القصف الصاروخي الإيراني.

ومع استمرار عمليات البحث عن المصابين الذين تمّ نقلهم إلى أربعة مستشفيات، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بسقوط ثمانية قتلى و57 مصاباً، بينهم حالات خطيرة ومتوسطة، وسط توقّعات بارتفاع الحصيلة. ونقلت «يسرائيل هيوم» عن مستوطِنة تسكن المنطقة أن الصاروخ الإيراني أصاب ملجأ الحيّ «مباشرةً»، مشيرة إلى أن حجم الدمار كان كبيراً إلى درجة أن «كلّ شيء هنا متضرّر»، وأن «شارعاً كاملاً» تضرّر من جراء الضربة، فيما دُمّرت ثمانية منازل بشكل بالغ. وأضافت المستوطِنة أن الروايات التي تحدّثت عن عدم تفعيل صفارات الإنذار في المنطقة «غير دقيقة»، مؤكّدة أن السكان دخلوا إلى الملجأ فور إطلاقها، قبل أن يصاب الملجأ نفسه بشكل مباشر بالصاروخ.

إزاء ذلك، طرحت وسائل الإعلام العبرية أسئلة «محرجة» حول قدرة صاروخ إيراني على إصابة ملجأ يُفترض أنه مُحصّن، وحول مدى «فاعلية» منظومات الإنذار والاعتراض، و«متانة» الملاجئ العامة في مواجهة صواريخ ذات رؤوس تدميرية عالية. كما طالب صحافيون ومحلّلون إسرائيليون بفتح تحقيقات عاجلة، معتبرين أن ما جرى قد يتحوّل إلى «نقطة فاصلة» في وعي الجمهور الإسرائيلي تجاه الحرب الدائرة، بعدما لمسوا لأول مرة أن «الملجأ نفسه لم يعُد آمناً».

لم تمضِ أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة على بدء الرد الإيراني حتى بدت إسرائيل أمام مشهد مختلف

هكذا، لم تمضِ أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة على بدء الرد الإيراني حتى بدت إسرائيل أمام مشهد مختلف، يتمثّل ضلعه الثاني في تعطّل الحياة في مدن ومستوطنات لساعات طويلة. وبعدما حاولت المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية تثبيت صورة «الضربة الأولى الناجحة» ضدّ الجمهورية الإسلامية، والتأكيد أن ما جرى يمثّل اختراقاً كبيراً لقدرات طهران، سرعان ما تغيّرت النبرة الإعلامية إلى تحذيرات من سيناريو استنزاف طويل الأمد. وفي هذا الإطار، تساءل المعلّقون حول سقف احتمال الجبهة الداخلية في إسرائيل لتداعيات الحرب، خصوصاً بعدما بدأت تنعكس عدم إحساس بالأمان حتى داخل الملاجئ.

كذلك، بدأت مؤشرات ضغط اقتصادي واجتماعي في الظهور، إذ تحدّثت وسائل إعلام عبرية عن ارتفاع تكاليف الطوارئ وتعويضات الأضرار، واستدعاء قوات الاحتياط وتأثيره على قطاعات العمل والخدمات. كما برزت مخاوف من أن يتحوّل الاستنفار العسكري إلى حالة شبه دائمة، تُرهِق الاقتصاد وتُربِك الحياة العامة، خصوصاً إذا ما اتّسعت دائرة المواجهة أو فُتحت جبهات إضافية.

ومع ذلك، لا يزال الاصطفاف خلف الحكومة قائماً، مع دعم واسع لاستمرار العمليات ضدّ إيران، باعتبارها – وفق الخطاب الرسمي – معركة «وجودية» تهدف إلى تحييد تهديدات استراتيجية بعيدة المدى. غير أن الإعلام العبري بدأ يلمّح إلى أن هذا الإجماع قد لا يصمد طويلاً في حال ارتفاع الثمن الداخلي، مشيراً إلى أنه مع طول أمد القصف، وازدياد عدد المصابين والمُهجّرين، ستتّسع الفجوة بين الخطاب التعبوي الذي يروّج لـ«الردع»، والواقع اليومي للمستوطنين الذين يعيشون تحت صافرات الإنذار ويقضون ساعات في الملاجئ.

ويأتي هذا فيما تشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن المواجهة مع إيران تختلف جذرياً عن الحروب السابقة مع فصائل فلسطينية أو حتى مع أطراف إقليمية أخرى. فإيران، وفق هذه القراءة، تمتلك «هامشاً واسعاً» لإدارة تصعيد طويل ومُتدرّج، يجمع بين الضربات المباشرة، والضغط النفسي، واستنزاف الجبهة الداخلية اقتصادياً واجتماعياً. وهذا ما يدفعها، بحسب محلّلين إسرائيليين، إلى محاولة ترسيخ معادلة جديدة تقوم على أن أي استهداف لها سيقابله ثمن داخلي ملموس في إسرائيل.

وفي السياق، أشار المحلّل الأمني، رونين بيرغمان، إلى أن الوقت لا يزال «مبكراً» للحكم على نجاح الحرب أو فشلها، محذّراً من الوقوع في فخّ الخطاب الاحتفالي الذي ساد في جولات سابقة، قبل أن تعود التهديدات ذاتها إلى الظهور بعد أشهر قليلة. وبالنسبة إليه، فالمشكلة لا تكمن في «قوة الضربة»، إنما في غياب رؤية واضحة لما بعدها، وما إذا كانت إسرائيل تمتلك بالفعل استراتيجية خروج من مواجهة قد تطول وتتشعّب.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى