صدام العداء البنيوي

كتب رفيق خوري في صحيفة إندبندنت عربية.
ليس الملف النووي، على أهميته، سوى ورقة في ملف أكبر هو العداء البنيوي بين أميركا وإيران.
أساس العداء هو السياسة التي كانت بدايتها العملية تدبير الاستخبارات المركزية الأميركية والاستخبارات الخارجية البريطانية لانقلاب عسكري أسقط حكومة محمد مصدق الوطنية، التي أممت النفط وأعادت الشاه محمد رضا بهلوي إلى عرش الطاووس.
و”الحرب هي استمرار للسياسية بوسائل أخری”، کما قال کلازوفيتز. وبهذا المعنى، فإن التفاوض والحرب وجهان لعملة واحدة تعاملت بها أميركا وإیران.
واشنطن تتصرف على أساس أنها خسرت إيران بعد ثورة الخميني، وتريد استعادتها بكل الوسائل الممكنة بسبب موقعها الجيوسياسي والاستراتيجي المهم، بحيث وصفها مدير الاستخبارات المركزية الذي شغل بعد ذلك منصب السفير الأميركي لدى طهران ریتشارد هيلمز بأنها “مسمار الدولاب في العجلة”.
وطهران قررت “تخليص الشرق الأوسط، لا إیران وحدها، من أميركا” بحسب ولي نصر أستاذ القضايا الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز.
کان الإمام الخميني رفع شعار “الموت لأميرکا” وسماها “الشيطان الأكبر” واعتبر أن العداء لها هو من “أسس الثورة” التي تعمل باستقلال عن الغرب والشرق. لا بل بعث برسالة إلى الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف “يدعوه فيها إلى الإسلام”.
وعلى خطى الخميني مشي المرشد الأعلى علي خامنئي في العمل على إقامة “شرق أوسط إسلامي” بقيادة إیران بعد إسقاط “الشرق الأوسط الأميركي”. والتاريخ طويل. الرئيس دونالد ترمب هو مجرد رئيس في سلسلة رؤساء أداروا “الصراع الحتمي” مع الجمهورية الإسلامية بالتفاوض والحرب، وإن كان هو الأعلى صوتاً.
والرهان الإيراني على “الصبر الاستراتيجي” والاستعداد للتفاوض واستنفار دول المنطقة للعمل على تجنيب طهران الصدام العسكري مع واشنطن في انتظار مرحلة ما بعد ترمب رهان خاطئ، مثل الرهان الأميركي في أيام أوباما وبايدن ومن سبقوهما على “تغییر سلوك” إیران.
ذلك أن ما يطلبه ترمب بالنسبة إلى إنهاء المشروع النووي وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية والتخلي عن أذرع طهران في اليمن والعراق ولبنان وفلسطين بعد انهيار نظام الأسد في سوريا هو جزء من حرب السياسة، التي يتصور أنها ستقود بالقتال أو التفاوض إلى إنهاء العداء بين البلدين عبر إسقاط نظام الملالي.
وهذا حلم بدأه الرئيس جيمي كارتر من خلال مستشاره للأمن القومي البروفيسور زيغنييف بريجنسكي. كان بريجنسكي، وهو بولندي الأصل شديد العداء للروس ثم السوفيات لأسباب تاريخية، إلى جانب كونه مفكراً استراتيجياً كبيراً في تنافس مع الدكتور هنري كيسنجر الذي من أصل ألماني. وهو رأى على مستوى الكون نوعاً من التحرك لتغيير الستاتيكو، بعضه من عمل موسكو وبكين وبعضه الآخر لأسباب اجتماعية محلية أخرى. وكانت نظريته هي أن على أميركا المساهمة في التحرك بدلاً من أن تقمعه، بحسب شعار “صنع الثورة بدل منع الثورة”.
وقيل إنه راهن على دور أربع شخصيات على صلة بالاستخبارات المركزية الأميركية كانت مقربة جداً من الخميني. لماذا؟ لتحويل التخلص من الشاه الذي صار شديد الغطرسة والإزعاج لأميركا وحلفائها في المنطقة من مشكلة إلى فرصة، لكنه لم يفهم في العمق نظرية ولاية الفقيه وقدرة الخميني على إطاحة هؤلاء وسواهم والانفراد بالثورة والسلطة. ولم يستفق من الحلم إلا على كابوس احتجاز الدبلوماسيين الأميركيين في السفارة 444 يوماً على يد طلاب “خط الإمام”.
أما اليوم، فإن ترمب يكبس أزرار آلة عسكرية هائلة معتقداً أنه قادر على حل كل مشكلات أميركا في أي بلد بهذه الآلة. وخامنئي يفاخر بأن لدى طهران من الاقتدار والقوة ما يسمح برد مزلزل على أية حرب يرعب المنطقة ويخيف أميركا.
لكن المتخصص كريم سادجادبور يرى في مقالة تحت عنوان “خریف آيات الله” أن الجمهورية الإسلامية هي اليوم “في أضعف أيامها”. وهو يستغرب رهان أمیرکا علی ظهور “غورباتشوف إیراني” في حين أن في الإمكان أن يظهر “بوتين إیراني”.
وعلى العموم لا شيء اسمه “ربيع” بل “شتاء قاس”. وخلال عام من التحولات المتسارعة داخل المنطقة لم يعد ينطبق على الوضع حديث سوزان مالوني نائبة رئيس بروكنغز، عن “وضع عادي جديد خطر في الشرق الأوسط: إسرائیل وإیران والتوازن الدقيق في اللانظام”. فالوضع غير عادي وبالغ الخطورة.
لعبة ترمب ونتنياهو هي تحویل اللانظام إلى نظام إقليمي تحت المظلة الأميركية على حساب المشروع الإقليمي الإیراني المطلوب رأسه حالياً ومعه نظام الملالي. ولا شيء يوحي أن ما سمي في واشنطن “تحالف الفوضى” بين روسيا والصين وإیران وکوریا الشمالیة هو تحالف شغال بالفعل في مواجهة ضربة أميركية لإيران. والمعركة مستمرة قبل ترمب ومعه وبعده، قبل خامنئي ومعه وبعده. والشعار في عالم ترمب هو “اضرب وفاوض أو فاوض ثم اضرب”.




