شحنة مقديشو الإسرائيلية: هل تمهد لعدوان على اليمن؟

محمد حسب الرسول – الميادين:
“إسرائيل” تبحث عن قواعد خلفية قريبة من اليمن، والساحل الصومالي هو الأقرب إلى باب المندب والعمق اليمني، يوفر نقاط انطلاق مثالية للعمليات العسكرية، ويندرج ذلك ضمن نمط ثابت في سلوك نتنياهو.
في 21 حزيران/يونيو الماضي، وصلت إلى مقديشو، بحسب مصادر الميادين، شحنة إسرائيلية مشبوهة تزن طناً، تحتوي على منظومات اتصالات استخبارية متطورة، أُرسلت من “تل أبيب” عبر نيروبي باسم مكتب الأمم المتحدة، في مشهد يعيد إلى الأذهان وقائع سابقة استخدمت فيها منظمات دولية غطاءً لأنشطة تجسسية.
غير أن الخطر الأعمق لا يقتصر على طبيعة الشحنة، بل يتجاوزها إلى ثلاثة عناصر مفاجئة: جهة الوصول “مقديشو وليس هرجيسيا”، والصمت الرسمي المريع، والتوقيت المتزامن مع ذروة التصعيد الإقليمي.
قراءة في المسار
إن وصول الشحنة إلى مقديشو، عاصمة الدولة الاتحادية، بدلاً من هرجيسيا عاصمة الإقليم الانفصالي، يحمل دلالة بالغة الخطورة.
فـ “تل أبيب” لم تعد تكتفي بعلاقاتها العلنية مع أرض الصومال، إنما تتجاوزها إلى اختراق قلب الدولة الصومالية نفسها، في محاولة لخلط الأوراق وإرباك المشهد السياسي والأمني في الصومال والمنطقة. يجمع هذا التحرك المزدوج بين الاعتراف الدبلوماسي بالانفصال في الشمال والتسلل الاستخباري إلى الجنوب، بهدف السيطرة على الصومال وإغراقه في حالة من الفوضى الاستراتيجية.
أما التوقيت، فيثير أسئلة أكثر مما يجيب. فالشحنة وصلت بعد أيام من زيارة رئيس إقليم أرض الصومال إلى “تل أبيب”، حيث افتتح “سفارة” لهرجيسيا في القدس المحتلة، ووقع عدداً من الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية. وهذا التزامن، سواء كان مقصوداً أم لا، يعكس تصاعداً في النشاط الإسرائيلي في المنطقة، ويؤشر إلى أن ما يجري حلقة في سلسلة متصلة من المشروع الإسرائيلي في القرن الأفريقي، وبالقرب من اليمن.
اليمن في مرمى المشروع الإسرائيلي
لا يمكن قراءة هذا التمدد بمعزل عن اليمن، الذي أصبح العقبة الأكبر أمام المشروع الإسرائيلي-الأميركي في البحر الأحمر. فصنعاء، بإرادتها السياسية وقدراتها العسكرية، نجحت في فرض معادلة استراتيجية جديدة، وأعادت تعريف قواعد الاشتباك في باب المندب، وأصبحت تشكل تحدياً استراتيجياً للكيان الصهيوني، إذ لم تعد سفنه والسفن الأميركية والأوروبية قادرة على الإبحار في البحر الأحمر كما تشاء، وأعادت بذلك صياغة مفهوم قوة الدولة الشاملة على نحو جديد.
إن المنظومات الاستخبارية التي وصلت إلى مقديشو هي أدوات خاصة بالرصد والاستطلاع وأعمال التجسس كافة، وبالتالي تعد الشحنة بهذه المحتويات ضرورية لأي عمل عسكري.
“إسرائيل” تبحث عن قواعد خلفية قريبة من اليمن، والساحل الصومالي هو الأقرب إلى باب المندب والعمق اليمني، يوفر نقاط انطلاق مثالية للعمليات العسكرية، ويندرج ذلك ضمن نمط ثابت في سلوك نتنياهو: الحرب على غزة ولبنان وإيران، والتجهيز الآن لجبهة جديدة في البحر الأحمر.
إنه إدمان العدوان الهادف إلى إعادة رسم خريطة المنطقة بالقوة والدمار ودماء الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، و”تهويد” البحر الأحمر. واليمن يمثل التحدي الأكبر، لذلك تعمل “إسرائيل” على تطويقه من الخلف عبر الصومال، في مسعى لتغيير معادلة الردع التي فرضتها صنعاء.
الأمم المتحدة: غطاء ممنهج للمشروع الإسرائيلي
ليست هذه المرة الأولى التي تُستخدم فيها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية كأداة لخدمة مشاريع عدائية. ففي اليمن، كشفت صنعاء عن شبكات تجسس إسرائيلية تحت غطاء منظمات إنسانية، وفي العراق والسودان وأفغانستان والصومال نفسه، استُخدمت مكاتب أممية لأغراض غير مشروعة. إرسال الشحنة باسم مكتب الأمم المتحدة في مقديشو هو استخدام للشرعية الدولية كغطاء، وتوفير حماية دبلوماسية تمنحها حصانة ضرورية لتنفيذ أنشطة لا يمكن تمريرها بأي صيغة أخرى.
والتواطؤ أو التغاضي يظل أكثر ترجيحاً في ظل سيطرة النفوذ الغربي-الصهيوني على مفاصل المنظمة الدولية.
موقف الحكومة الصومالية
لاذت الحكومة الصومالية بالصمت، برغم كشف أخبار الشحنة، ويمكن تصور موقفها عبر احتمال من احتمالين رئيسين:
الأول: العلم والموافقة، خاصة في ظل العلاقة التي تربط الرئيس حسن شيخ محمود بأميركا، التي صمتت هي الأخرى عن التعديلات الدستورية التي أجراها لتمديد ولايته، ولتكريس سلطته. وهو صمت بصورة غطاء. فهل العلم والموافقة -حال ثبوتهما- هو ثمن هذه التعديلات؟
الثاني: عدم العلم، الكاشف عن ضعف الدولة، وفشل مؤسساتها في رصد شحنة بهذا الحجم والنوع، وهو فشل لا يمكن تفسيره إلا بوجود خلل هيكلي في مؤسسات الدولة. وهذا الفشل مؤشر على أن الدولة فقدت السيطرة على عاصمتها، ما يجعلها عُرضة لمزيد من الاختراقات المفضية إلى زعزعة الأمن والاستقرار في الصومال ومحيطه الإقليمي.
مهما كان الاحتمال، فإن الصمت الرسمي هو في حد ذاته إعلان صريح عن العجز في حماية السيادة والأمن، ويثير التساؤل حول مدى التزام السلطة بمبادئ الاستقلال الوطني واستقلالية القرار.
مواجهة الحدث
في مواجهة هذا الاختراق، تبرز مسؤوليات متعددة، تبدأ من الداخل الصومالي، حيث يقع على الشعب الصومالي ومكوناته الاجتماعية ورموزه الوطنية واجب التحرك لكشف الملابسات، والضغط على الحكومة لاتخاذ موقف واضح، فالشعب الصومالي المتدين والمتمسك بقضية فلسطين، والصديق لليمن، يرى في صمت الحكومة خيانة للمبادئ، ما يخلق فجوة قد تبلور مواقف شعبية تفاقم الانقسامات في بلد يرفض المساس بقراره الوطني وركائز أمنه القومي والتعدي على محدداته القيمية والأخلاقية.
التداعيات
لهذا الحدث تداعيات خطيرة على أمن الصومال وأمن المنطقة بأسرها، تطال الأمن القومي العربي والمصالح الاستراتيجية التركية، وتشمل تفكيك الصومال وضرب أمنه واستقراره، وتحويله إلى ساحة صراع إقليمي، وتهديداً مباشراً لليمن، وتطويقاً للبحر الأحمر، وخلق واقع جيواستراتيجي جديد يصعب التراجع عنه. وقد فصلت مقالتنا السابقة ذلك، خاصة المقال الموسوم بـــ”فصل إسرائيلي جديد في الصومال: قراءة في زيارة عرو إلى الكيان” والمقال الذي سبقه “أرض الصومال والنفوذ الإسرائيلي في الساحل الشرقي لأفريقيا” وغيرهما من المقالات ذات الصلة.
تكشف شحنة مقديشو مرحلة جديدة من الصراع الإسرائيلي على البحر الأحمر، تستهدف اليمن، وتطوق الصومال، وتهدد السعودية ومصر، وتضر بأمن القرن الأفريقي، وتستهدف مصالح تركيا في المنطقة، الصمت عنها باهظ الثمن، والرد يتطلب وعياً استراتيجياً وجهداً جماعياً: الشعب الصومالي لحماية سيادته، واليمن لحماية أمنه، والسعودية ومصر وتركيا لتحمل مسؤولياتها التاريخية في إجلاء “إسرائيل” من الصومال. فاليمن هو الهدف الأول، لكن وعيه وقدراته سيردعان هذا المشروع الذي يتعين إجهاضه قبل أن يكتمل تخلقه ويفتك بالمنطقة والإقليم.



