سورية واستراتيجية الدفاع عن الأرض

حسان الأسود – العربي الجديد:
لا تبدو الحروب التي تدور حول سورية وفي محيطها صراعاتٍ منفصلةً يمكن النظر إلى كل واحد منها بعدّه ملفاً مستقلاً. فمن العراق إلى الخليج العربي، وخصوصاً اليمن، وصولاً إلى البحر الأحمر، لا يُمكن للجغرافيا أن تزيح كثيراً آثار النزاعات واختلاف المصالح. ما يجري في القرن الأفريقي أو على البحر الأسود وبين أوكرانيا وروسيا لم يبق محصوراً في جغرافيته، بل تعدّاها ليشمل مناطق بعيدة جدّاً في العالم، وليس أدّل على هذا من تأثيرات تعطّل سلاسل الإمداد على ارتفاع الأسعار العالمية في كلّ شيء تقريباً. نحن أمام شبكة متداخلة من الأزمات، تتقاطع فيها الجغرافيا العسكرية مع طرق التجارة والطاقة، وتعيد فيها الدول الكبرى والإقليمية رسم مواقعها على امتداد مساحة واسعة تشمل أهمّ الممرات البحرية والمضائق والخطوط البرّية للتجارة وخطوط الطاقة.
أخطر ما في المشهد الراهن أن هذه الشبكة قريبة جداً من سورية، في لحظةٍ لا تزال فيها الدولة السورية منشغلةً بإعادة بناء المؤسسات وتثبيت الأمن الداخلي واستعادة السيطرة على الحدود، بينما يمور المجتمع السوري بتفاعلاتٍ كبيرة جدّاً لا مجال لحصرها حالياً. لكن من المفيد الإشارة إلى تحدّيات العدالة الانتقالية وإعادة المهجّرين وإعمار البلاد وحسن إدارة مواردها والتشاركية الحقيقية ومحاربة الفساد والمحسوبيات ومواجهة أزمة الفقر الكبيرة التي يرزح تحتها أكثر من 90% من الشعب السوري، إضافة بالطبع إلى تصاعد عمليات القتل الطائفي واستعار خطاب الكراهية والتحريض المتبادل، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
من الواضح جدّاً أنّه لم تستقر بعد ترتيبات الإقليم التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد وانحسار النفوذ الإيراني إلى درجات ملحوظة بقوّة. هذا كلّه يجعل سورية في خطر مُحدق وحالّ، ونحن نشهد القضم التدريجي والممنهج الذي تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، كما نشهد التحرّشات المستمرّة في ريف درعا الغربي والاعتداءات الممنهجة على القرى والسكان. ليس هذا السلوك الإسرائيلي أمراً عابراً، بل هو منهجية متدرجة تقضم بموجبها قوات الاحتلال الأراضي وتثبت قواعد فيها، ثم تتوسّع تدريجيّاً، وتعاود الكرّة. هكذا يصبح مشهد الاحتلال مألوفاً، وتصبح الإدانات أمراً لفظيّاً لا غير، يتكرّر بشكل مُمِلٍّ من دون أن يحدث أيّ أثر على صعيد المجتمع الدولي أو على صعيد وقف العدوان نفسه.
نشهد القضم التدريجي والممنهج الذي تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجولان، كما نشهد التحرّشات المستمرّة في ريف درعا الغربي والاعتداءات الممنهجة على القرى والسكان
غيّرت إسرائيل عقيدتها التوسعيّة بعد “7 أكتوبر” (2023)، وأعطتها عملية طوفان الأقصى الفرصة لإظهار فائض قوتها. تزامن هذا مع صعود اليمين في العالم بشكل عام، الأمر الذي ساعد إسرائيل نفسها على زيادة انزياحها أكثر فأكثر نحو اليمين المتطرّف، ليس دولةً فحسب، بل مجتمع كامل كما تُظهر هذا الدراسات واستطلاعات الرأي والمنافسات الانتخابية. عزّز هذا التطرّف عند اليمين الإسرائيلي فوز ترامب في دورته الرئاسية الثانية، وما لم يستطع الأخير تحقيقه في دورته الرئاسية الأولى، التي بالمناسبة أقرّ فيها لإسرائيل بحقها في الجولان، وكأنّه يملكه وله أن يتصرّف كما يشاء، يحقّقه الآن بانسياقه وراء الحرب مع إيران بما يخدم إسرائيل مباشرة. صحيحٌ أنّ هدف ترامب من الحرب إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي بمواجهة الصين، وصحيحٌ أنّ الملفات الداخلية التي تخصّ ناخبيه تتقدّم لديه في الأولوية على مصالح حكومة نتنياهو الحالية، لكنّه أكّد باستمرار على أنّ أمن إسرائيل لا يزال من الثوابت الأميركية.
من الواضح أنّ شهيّة نتنياهو لافتعال حرب تتزايد كل يوم مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية التي ستحدّد مصيره في الحكم، وبالتالي مصيره الشخصي، رئيساً للوزراء أو حبيساً خلف قضبان السجن. يدلّ على هذا بوضوح سلوكه الانتهازي في محاولة استثمار حادثة اختطاف طائرة “فلاي دبي” التي لم تتضح تشابكاتها وحقيقتها جلياً بعد. وما يهم في هذا السياق ما أُعلن عنه، إسرائيليّاً، من أنّ مساعد الطيّار المتهم بالاعتداء على قائد الطائرة قد تلقى شحناً أيديولوجيّاً في سورية! ليس مهمّاً بكل تأكيد إثبات حقيقة هذا الأمر أو نفيه، فالذرائع تُختلق لتبرير الأهداف السياسية، بغض النظر عن صحتها، ولنا في اتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل لتبرير غزوه واحتلاله عام 2003 خير مثالٍ في هذا المجال.
لم نقترب بعدُ من مناقشة نهج السلطة الانتقالية في التعامل مع هذا السلوك الإسرائيلي، فقد ثبت أنّ سياسة التفهّم والتروّي والواقعيّة المفرطة التي تقدّر حجم التفاوت الهائل في ميزان القوى لم تُجدِ نفعاً مع هذا التغوّل والعنجهية المنفلتة من كل لجام. وتجادل آراء بأنّ ما يمنع نتنياهو من احتلال الجنوب السوري كله ترامب شخصيّاً، والسبب ليس حرص الأخير بالطبع على مصالح السوريين، بل تصوّره لضرورة ضبط المنطقة وتأمين خطوط التجارة البرية وإمدادات الطاقة من الخليج إلى تركيا والمتوسط، وبالتالي المصالح الأميركية التي تعلو لديه على المصالح الانتخابية الإسرائيلية. ورغم أنّ ترامب كان قد أشار، في أحد تخرّصاته المتكررة عن صغر حجم إسرائيل، وحقها في التوسّع، إلا أنّ موقفه يبدو مستقراً بمنع نتنياهو من المضّي في ما يصبو إليه.
تجادل آراء بأنّ ما يمنع نتنياهو من احتلال الجنوب السوري كله ترامب شخصيّاً، والسبب ليس حرص الأخير بالطبع على مصالح السوريين، بل تصوّره لضرورة ضبط المنطقة
والآن، ما الذي يمكن للسوريين القيام به إذا كانت حكومتهم عاجزة عن الإتيان بما يردع هذا الغول المتوحّش؟ وهل ثمّة جدوى من المقاومة بعدما شهدناه من تدميرٍ مرعبٍ في غزّة وجنوب لبنان، تدميرٍ طاول الحجر والشجر والبشر ولم يستثن شيئاً؟ وهل الظروف هنا مشابهة من حيث الطبيعة الجغرافية والديمغرافية، ومن حيث السياسة الدولية والإقليمية تجاه لبنان وغزّة؟ وما هو تأثير أي تحرّك شعبي أو مقاومة على مجمل الخريطة الميدانية والسياسية بين البلدين؟ وهل دُرس ما حصل في بيت جنّ العام الماضي جيداً لاستخلاص العِبر منها؟ وهل يملك السوريون الآن، خصوصاً أهل الجولان وحوران إمكانات الصمود، ليس العسكرية بالطبع، فلا مجال للمقارنة مع تفوّق العدّو المهول في هذه الناحية، بل على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي؟ هل تسمح بنية المجتمع السوري بتشكيل جبهة موحّدة ضد العدوان الإسرائيلي، وأين منها الانقسام الواضح للعيان في ملف السويداء؟
ليس هدف هذه المقالة اختراع النار ولا البارود ولا وضع استراتيجية دفاع ضد التغوّل الإسرائيلي، بل هدفها، بتواضع شديد، طرح الموضوع للنقاش العام والعلني في سورية. قد يساعد هذا النقاش على رؤية الصورة بشكل أوسع وأدّق، وبدل أن تتلهى الأطراف المختلفة والمتنازعة بصغائر الأمور، قد يكون عليها التفكير بجدّية أكبر بالخطر المحدق الذي يهدد وجود سورية كلها، وليس الجنوب فقط. فهل تجد الكلمات آذاناً صاغية، وهل نستثمر في الحاجة الدولية لبقاء سورية موحدة ومستقرّة، أم نغوص أكثر في الآني واللحظي من صراعات على القشور والفتات؟ وهل ندرك حجم الكارثة أم نبقى دائرين في فلك تعريف المعرّف وتحديد جنس الملائكة؟




