رأي

زيارة روبيو توسّع الهوة بين الخليج وواشنطن

مختار الدبابي – العرب:

الإشكال لا يكمن في وجود اتفاق أميركي مع إيران بحد ذاته بل في طبيعة هذا الاتفاق وما تجاهله من ملفات تعتبرها دول الخليج جزءا من أمنها القومي المباشر؟

لم تعد المشكلة بين دول الخليج والولايات المتحدة مرتبطة فقط بالشكوك القديمة حول فعالية المظلة الدفاعية الأميركية، بل أصبحت تتعلق بجوهر الشراكة السياسية نفسها، وذلك بعد ما ظهر من تفاصيل حول الاتفاق الأميركي الإيراني لم تراع مصالح الخليجيين بشكل واضح وقاطع.

الجولة الخليجية التي قام بها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وكان يفترض أن تبدد المخاوف المرتبطة بالتفاهم الأميركي الإيراني الأخير، انتهت عمليا إلى نتيجة معاكسة، إذ وسعت مساحة الشكوك بدل أن تقلصها، وكشفت عن فجوة متنامية في فهم الطرفين لأولويات الأمن والاستقرار في المنطقة.

حين قال روبيو خلال اجتماعاته مع المسؤولين الخليجيين إن التطورات الأخيرة وضعت الشراكة الأميركية الخليجية أمام اختبار مهم، كان يدرك على الأرجح أن الرسائل الأميركية لم تعد تلقى القبول نفسه الذي كانت تحظى به في السابق. فالمسألة لم تعد مرتبطة بنقص التواصل أو سوء الفهم، بل بتباين متزايد في المصالح والتقديرات السياسية.

من وجهة النظر الخليجية، لا يكمن الإشكال في وجود اتفاق أميركي مع إيران بحد ذاته، بل في طبيعة هذا الاتفاق وما تجاهله من ملفات تعتبرها دول الخليج جزءا من أمنها القومي المباشر. فمذكرة التفاهم ركزت على الجوانب المرتبطة بالبرنامج النووي ورفع الضغوط الاقتصادية، لكنها لم تتضمن التزامات واضحة تتعلق بالصواريخ الباليستية أو نشاط الوكلاء الإقليميين، وهما الملفان اللذان يشكلان مصدر التهديد الأساسي لدول الخليج منذ سنوات.

في العقود الماضية كانت التصريحات الأميركية العامة حول الشراكة والأمن المشترك كافية لاحتواء التوترات وطمأنة النفوس أما اليوم فقد تغيرت المعادلة بصورة جوهرية

الأكثر إثارة للقلق أن الاتفاق احتوى على صيغ عامة وملتبسة في قضايا حساسة، أبرزها مستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز. فبدلا من تقديم ضمانات واضحة وغير قابلة للتأويل، تركت بعض البنود مساحة واسعة لتفسيرات متناقضة، الأمر الذي دفع العواصم الخليجية إلى التساؤل عما إذا كانت واشنطن قد قدمت تنازلات سياسية تتجاوز ما هو معلن، وإلا ما كان الأمر يستدعي زيارة تفسيرية لبنود الاتفاقات ولقاءات ثنائية وجماعية للمسؤول الأميركي في الخليج.

في هذا السياق تكتسب تصريحات أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أهمية خاصة. فعندما يؤكد أن “فرض أمر واقع من رحم العدوان لا يؤسس للاستقرار” وأن هذا ينطبق على مضيق هرمز، فإنه لا يوجه رسالة إلى إيران فقط، بل يوجه أيضا رسالة إلى الأطراف الدولية التي قد تكون مستعدة للتعامل مع نتائج القوة العسكرية باعتبارها حقائق سياسية جديدة.

وتزداد دلالة هذه المواقف إذا وضعت في سياق تصريحات أخرى لقرقاش شدد فيها على أن أي ترتيبات إقليمية جديدة يجب أن تنطلق من حقيقة أن إيران مارست عدوانا مباشرا على دول الخليج، وأن تجاوز هذه الحقيقة أو القفز عليها لا يمكن أن يشكل أساسا لاستقرار دائم. وهي إشارة واضحة إلى أن دول الخليج كانت تنتظر من الاتفاق الأميركي الإيراني أن يتضمن معالجة مباشرة لهذا السلوك، لا أن يتجاهله أو يؤجله إلى مراحل لاحقة.

من هنا يمكن فهم محدودية تأثير رسائل الطمأنة التي حملها روبيو. فالتأكيد على أن مصالح الحلفاء الخليجيين ستظل في صدارة الاهتمام الأميركي لم يعد كافيا في نظر العواصم الخليجية. المطلوب لم يعد وعودا سياسية أو تطمينات دبلوماسية، بل نصوصا واضحة والتزامات محددة وآليات تنفيذ ملموسة.

المشكلة الأساسية التي واجهت الدبلوماسية الأميركية خلال هذه الجولة هي أنها تتعامل أحيانا مع الخليج بعقلية تنتمي إلى مرحلة سابقة. ففي العقود الماضية كانت التصريحات الأميركية العامة حول الشراكة والأمن المشترك كافية لاحتواء التوترات وطمأنة النفوس. أما اليوم فقد تغيرت المعادلة بصورة جوهرية.

أيكفي أن يصرح روبيو بأن مصالح وأمن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة سيظلان في صدارة الاهتمام خلال المفاوضات مع إيران. تريد واشنطن أن تضع النقاط على الحروف، لكن أي حروف وأي نقاط، هل المقصود تسفير الاتفاق بما ليس في ظاهره، أي تأويل نوايا واشنطن خلال المصادقة على الاتفاق وليس ما هو مكتوب، الذي يصب في صالح إيران. المشكلة الأساسية التي واجها روبيو في جولته أن دول الخليج تغيرت، لم يعد يفيد بأن يتم ترضيتها بتصريحات فضفاضة عن الشراكة والأمن المشترك.

فالخليج بعد عام 2020 ليس هو الخليج الذي سبقه. فقد أدت هجمات الحوثيين على المنشآت النفطية، وما رافقها من رد أميركي اعتبره كثيرون أقل من مستوى الالتزامات الأمنية المعلنة، إلى إحداث تحول عميق في التفكير الاستراتيجي الخليجي. وأصبحت دول المنطقة أكثر ميلا إلى تنويع شراكاتها الدفاعية والسياسية والاقتصادية بدلا من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة.

ولذلك لم تعد دول الخليج تنظر إلى واشنطن باعتبارها الضامن الوحيد لأمنها، بل باعتبارها شريكا ضمن شبكة أوسع من العلاقات الدولية. وهذا التحول يفسر سبب تراجع فاعلية الخطاب الأميركي التقليدي القائم على التذكير بالشراكة التاريخية والمصالح المشتركة، وهو أمر مفهوم، فهو خطاب دعائي يهدف إلى احتواء الغضب الخليجي وليس إلى بناء الثقة وتعميق الشراكة القائمة على تبادل المصالح.

دول الخليج لم تعد تقبل أن تكون مجرد متلقية لنتائج التفاهمات الدولية، بل أصبحت تطالب بأن تكون شريكا كاملا في صناعتها

كما أن الاتفاق الأميركي الإيراني أعاد إلى الواجهة سؤالا أكثر حساسية يتعلق بآليات الحوار التي جرت في إسلام اباد ثن زوريخ، حوار عن أمن الخليج يستثنى منه الخليج وكأنه هامش وليس أصلا ومركزا. فالحرب جرت في فضاء جغرافي وأمني يخص دول الخليج بصورة مباشرة، سواء من خلال المجال البحري أو الجوي أو من خلال التهديدات التي طالت البنية التحتية الحيوية. ومع ذلك لم تكن هذه الدول طرفا مباشرا في المفاوضات، ولم تشارك في صياغة التفاهمات النهائية.

وبالنتيجة، فإن الاتفاق الأميركي الإيراني غير ملزم للخليجيين، لأنهم لم يستشاروا فيه، لم يحضروا الجلسات، وكان الأحرى أن يكونوا طرفا رئيسيا فيه.

ومن هنا ينبع شعور خليجي متزايد بأن الاتفاق يفرض ترتيبات جديدة في محيطها الاستراتيجي من دون أن تكون شريكا فعليا في رسمها. ويزداد هذا الشعور قوة مع الحديث عن مشاريع لإعادة إعمار إيران أو إنشاء آليات تمويل واستثمار مرتبطة بمرحلة ما بعد الاتفاق، في وقت أكد فيه روبيو نفسه أن هذه الأفكار لم تناقش مع دول الخليج.

وفي المقابل تبدو المخاوف الخليجية أكثر ارتباطا بما قد يحدث بعد رفع القيود الاقتصادية عن إيران. فالأموال التي ستعود إلى طهران يمكن أن تستخدم لتعزيز قدراتها الصاروخية أو لإعادة تنشيط شبكاتها الإقليمية في العراق واليمن وساحات أخرى، خاصة أن الاتفاق لم يفرض قيودا مباشرة على هذه الملفات.

لهذا السبب لا تبدو الأزمة الحالية مجرد خلاف عابر حول تفاصيل اتفاق معين، بل تعبيرا عن تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين الخليج والولايات المتحدة. فبينما لا تزال واشنطن تنظر إلى المنطقة من زاوية إدارة التوازنات الكبرى مع إيران، تنظر دول الخليج إلى أمنها القومي من زاوية التهديدات المباشرة التي واجهتها خلال العقدين الأخيرين.

والنتيجة أن زيارة روبيو التي جاءت بهدف ترميم الثقة كشفت في الواقع أن الخلاف لم يعد حول وسائل الحماية فقط، بل حول تعريف التهديد نفسه وأولويات التعامل معه. وهذه ربما تكون المرة الأولى التي تنتقل فيها الشكوك الخليجية من مستوى التساؤل حول المظلة الدفاعية الأميركية إلى مستوى أعمق يتعلق بمدى تمثيل واشنطن للمصالح الخليجية داخل التفاهمات الإقليمية التي تصوغ مستقبل المنطقة، وهل أن واشنطن حليف استراتيجي أم شريك ينتظر الاستثمارات والاتفاقيات التي تخدم صالحه هو فقط.

وفي حال لم تستوعب الإدارة الأميركية هذا التحول، فإن الفجوة مرشحة للاتساع أكثر. فدول الخليج لم تعد تقبل أن تكون مجرد متلقية لنتائج التفاهمات الدولية، بل أصبحت تطالب بأن تكون شريكا كاملا في صناعتها. وبين الشراكة التي تتحدث عنها واشنطن والشراكة التي يطالب بها الخليج تتسع اليوم هوة سياسية قد تكون أخطر من أي خلاف أمني سبقها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى