روسيا وأوكرانيا و«ستارلينك»… التجزئة والاكتمال

خالد البري – الشرق الأوسط:
لم يكن في «الآيفون» شيء جديد، الشاشة التي تعمل باللمس ظهرت قبله، والإنترنت المحمول، والإيميلات اللحظية، والكاميرات، والمكتبات الموسيقية المتنقلة. ولكن الذي أحدث الوثبة التاريخية كان الرؤية التطبيقية المتكاملة لاستخدام هذه التفاصيل. ليس فقط بجمعها في جسم واحد ينتقل معك أينما حللت، ولكن لأنه خلق منظومة متكاملة تصب فيها ابتكارات أخرى كالتطبيقات، و«السوشيال ميديا»، والتواصل بالفيديو، والبنوك الإلكترونية، والمنازل الذكية.
الذكاء الاصطناعي يسير بمنطقة التجزئة والاكتمال نفسها. كل شخص فينا ينبهر بما أحدثه الذكاء الاصطناعي من تقدم في مجاله. من الإعلام إلى الهندسة إلى الرياضيات والفيزياء. ولكن يظل الانبهار الحالي منصبّاً على المهام الجزئية.
الوثبة القادمة أضخم، حين تكتمل الأجزاء في منظومة يستطيع معها الذكاء الاصطناعي إنجاز المهمة من الألِف إلى الياء. يُعِدُّ دراسة الجدوى، ويرسم التصميم، ويأخذ القرارات، وينشئ المشروع.
الاكتمال -على كل إيجابياته وفوائده- خلق ثغرة كبيرة هي الاعتمادية. وشيء شبيه يحدث في العسكرية ويؤثر في مصير الدول.
شهدنا خلال العقود الماضية صعود الاستخدامات العسكرية لـ«الدرونز»، وأجهزة الاتصالات المحمولة، ثم الذكاء الاصطناعي. كل واحد منها تطور ضخم. ولكن الإضافة التي حولت التطورات إلى منظومة متكاملة هي شبكة الاتصالات الفضائية «ستارلينك»، المملوكة لشركة خاصة. ضاعفت «ستارلينك» أثر كل التطورات الجزئية المذكورة مجتمعة، وتجاوزت الحاجة التقليدية إلى إنشاء بنية تحتية للاتصالات، وأكملت دورة الفعل من جمع البيانات وتحليلها إلى تحديد الأهداف، ومدت التغطية الشاملة إلى مناطق لم تصل إليها الإنترنت، ومكَّنت مستخدمها من التحكم في هذا جميعاً عن بُعد، ومن مقرات متعددة.
رغم الفوائد الناتجة عن التكامل، خلقت المنظومة مفارقة الاعتمادية، ولكن على نطاق أوسع وأخطر. في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الجاري تعطلت قدرات «الدرونز» الأوكرانية جزئياً. بعد ذلك بخمسة أيام أوردت تقارير إعلامية أميركية أن السبب كان قراراً لإيلون ماسك بإبطاء الخدمات العسكرية المقدمة عبر «ستارلينك».
المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية أشار في تقرير حديث إلى هذه المفارقة. أن التقنيات الفضائية التجارية تحولت من عامل مساعد إلى اعتماد تكتيكي يومي، مع ما يحمله ذلك من خطورة على الدول. أوكرانيا التي تحارب تحت شعار الاستقلال والسيادة، سلَّمت في الواقع جزءاً كبيراً من مصيرها العسكري لكيان خاص لا تملك سلطة عليه.
التجزئة والاكتمال ظاهرة تاريخية متكررة. كل ابتكار يخلق حاجة ويحفز ابتكاراً جديداً، ويستمر على هذا المنوال حتى تكتمل المنظومة. الفارق أن التطور حالياً يحدث بوتيرة غير مسبوقة، بسبب الذكاء الاصطناعي وقدرته على اختصار عملية التراكم المعرفي، واكتشاف الأخطاء والتصويب الذاتي.
ظاهرة التجزئة والاكتمال تمنح مكافأة للمجتمعات المبادرة التي تسبق بخطوة؛ لأن هذه المجتمعات تملك غالباً أسرار الصنعة، وفلسفتها. حين تظهر خطوة تكون هناك أخرى في الطريق.
لكنها في الوقت نفسه تمنح أملاً لمن تأخر، إن استطاع تكوين رؤية تميزه تطبيقياً توجه الموجود إلى استفادة لم تكن معروفة. أين يبدأ هذا؟ من احترام التقدم العلمي، والبيئة المنفتحة المشجعة على الأفكار. المقولات من عينة: «إن ابتكار المنديل الورقي أكثر فائدة من الصعود إلى القمر» لا تنبئ بخير. بحوث الفضاء أنتجت ثورة الاتصالات و«ستارلينك»، وقريباً لن تكتفي الدول المتقدمة بإنتاج السلاح وتوزيعه؛ بل ستملك المجال الذي يتحرك فيه. سيكون الأمر شبيهاً بالجهاز العصبي في جسم الإنسان، لا بد منه للاستفادة من كفاءة الأعضاء المنفردة.




