رأي

رسالة ردع إلى روسيا والصين: لـ«حديقة خلفية» من دون خصوم

كتبت ريم هاني, في الأخبار:

شكّلت عملية اعتقال نيكولاس مادورو التطبيق «العملي» الأوّل لـ«ملحق ترامب»، والهادف إلى فرض نفوذ أحادي على نصف الكرة الجنوبي، و«قطع» الطريق أمام استمرار صعود الخصوم المحتملين هناك، وعلى رأسهم روسيا والصين.

دخل «ملحق ترامب» لـ«عقيدة مونرو»، رسمياً، حيّز التنفيذ. هذه المرة، لم تتكبّد واشنطن عناء دعم عملية انقلاب أو اغتيال رئيس دولة في القارة اللاتينية، بل أرسلت قواتها مباشرة إلى مقرّ إقامة نيكولاس مادورو، واختطفته وزوجته، قبل أن تقتادهما، في غضون ساعات، إلى الأراضي الأميركية لـ«محاكمتهما». وإذ وصف خبراء «معجبون» بأداء إدارة دونالد ترامب، الاعتداء بأنه أشبه بـ«عملية إرساء ردع عالمي»، تتجاوز الأنظمة «المعادية» في نصف الكرة الأرضية، من مثل كوبا ونيكاراغوا، فإن هذا «الردع العالمي»، إنما يعني، في الواقع، بالدرجة الأولى، الصين، ثمّ، بدرجة أقلّ، روسيا، وذلك رغم محاولات ترامب، في تصريحاته التي أعقبت العملية، التأكيد أن «علاقاته جيدة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ»، وأن «بكين ستستمر في الحصول على النفط»، بعد أن تبسط الشركات الأميركية، بطبيعة الحال، سيطرتها عليه بالكامل.

وفي حين تشدّد استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأخيرة على ضرورة حرمان «المنافسين من خارج نصف الكرة الأرضية من القدرة على نشر القوات أو غيرها من القدرات التي تشكل تهديداً، أو امتلاك الأصول الحيوية الاستراتيجية في نصف الكرة الأرضية الذي نعيش فيه أو السيطرة عليها»، ينقل «المجلس الأطلسي» عن خبراء قولهم إن الإدارة الحالية باتت «تمتلك فرصة فريدة للبناء على نجاح حملة الضغط التي شنتها ضد نيكولاس مادورو، لإعادة ترسيخ الهيمنة الاستراتيجية الأميركية الساحقة في نصف الكرة الأرضية». ويدعو هؤلاء إلى «صياغة تسوية ضمنية لحقبة ما بعد الرئيس الفنزويلي، تضمن استبعاد القوى التي هي من خارج نصف الكرة الأرضية، كالصين وروسيا، من عملية بناء النفوذ الهادف في كاراكاس»، معتبرين أن أمام «واشنطن فرصة لا تتكرر، إلا مرة واحدة في كل جيل، لترجمة تفضيلاتها الأمنية إلى واقع استراتيجي».

وكانت قد سارعت وسائل الإعلام الغربية، عقب عملية الاعتقال، إلى تسليط الضوء على المنافسة المتصاعدة بين بكين وواشنطن في القارة اللاتينية، مسلّطةً الضوء على لقاء جمع بين تشيو شياو تشي، ممثل الحكومة الصينية لشؤون أميركا اللاتينية والرئيس الفنزويلي، قبل ساعات من إلقاء القبض على الأخير. واللقاء المذكور شدّد فيه الطرفان على أهمية «العلاقات الاستراتيجية» بين البلدين، متعهدَين بـ«بناء عالم متعدد الأقطاب» قائم على «التنمية والسلام»، فيما كان لدى صناع السياسة الأميركيين، على ما يبدو، وجهة نظر مختلفة، بعدما لم ينتظروا حتى مغادرة المسؤولين الصينيين للبلاد، لقصف كاراكاس واختطاف رئيسها.

شبّه البعض عملية اعتقال مادورو بـ«عملية إرساء ردع عالمي» تتجاوز القارة اللاتينية


وقبيل العملية الأميركية، كانت بكين قد أصدرت، بعد أقلّ من أسبوع من إعلان ترامب استراتيجيته للأمن القومي، ورقة سياسية لم تحظَ بقدر كبير من الاهتمام بشأن أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، مؤلّفة من 6 آلاف و700 كلمة، تم التنويه فيها إلى «كيفية حدوث تحوّل كبير في ميزان القوى الدولي»، وهي المصطلحات التي يستخدمها المسؤولون الصينيون، عادة، للإشارة إلى تراجع عصر الهيمنة الأميركية، ومعارضة بكين لنزعة السيطرة الأميركية على القارة. كذلك، تناقلت وسائل إعلام غربية معلومات حول إجراء «جيش التحرير الشعبي» الصيني، الشهر الماضي، محاكاة لعمليات قتالية، في نصف الكرة الغربي، وتحديداً بالقرب من كوبا وخليج المكسيك ومنطقة البحر الكاريبي. وتعقيباً على تلك التطورات، أكّد مراقبون غربيون، آنذاك، أنه في حال «اندلاع صراع كبير مع الغرب، سوف تتمتّع الصين بحوافز وفرص للقيام بعمليات عسكرية في أميركا اللاتينية، حتى من دون تحالفات رسمية أو اتفاقيات أساسية»، زاعمين أنه بعدما تمّ بناء منشآت عسكرية أميركية مهمة في فلوريدا وخليج المكسيك والولايات المتحدة لمثل هذا السيناريو، فمن المحتمل أن يكون «الساحل الشرقي ضمن نطاق تشغيل الصين لمنشآت الاستخبارات الإلكترونية في كوبا».

وبالعودة إلى عملية اعتقال مادورو، فقد عبّرت بكين عن «صدمتها الشديدة» من الإجراء الأميركي، مُدينةً في بيان صادر عن وزارة الخارجية، «الاستخدام الصارخ للقوة من جانب الولايات المتحدة ضد دولة ذات سيادة وإجراءاتها ضد رئيسها». وأضاف البيان أن «مثل هذا السلوك القائم على الهيمنة من جانب الولايات المتحدة ينتهك القانون الدولي بشكل خطير، وينتهك سيادة فنزويلا، ويهدد السلام والأمن في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي».

مع هذا، يرجّح مراقبون أن تلجأ كلّ من بكين وموسكو، على المدى المنظور، إلى محاولة الحد من التصعيد بين واشنطن وكاراكاس، وذلك عبر الأدوات الديبلوماسية حصراً، من مثل «مجلس الأمن»، مع ضمان عدم الانجرار إلى مواجهة شاملة، لا سيما في خضمّ انشغال روسيا بالحرب الأوكرانية وتسخيرها مواردها كافة لحسمها. أيضاً، يرجح البعض أن تستغل موسكو «تشتت» انتباه واشنطن بملف فنزويلا، لتسريع جهود إنهاء الحرب بالشروط التي تلائمها، من دون تكرار الخطأ «الغربي» نفسه، بالانجرار إلى قتال ضدّ دولة من داخل «محيطها، كما هو الحال مع حلفاء كييف».

وتعكس ردود الفعل الروسية الرسمية التي تلت العملية الأميركية، التوجّه المشار إليه؛ إذ شدّدت وزارة الخارجية الروسية في بيان، على «أنه في ظل الظروف الحالية، من المهم، قبل كل شيء، منع المزيد من التصعيد والتركيز على إيجاد مخرج من خلال الحوار»، مضيفة أن «جميع الشركاء الذين قد تكون لديهم مطالبات ضد بعضهم البعض، يجب أن يبحثوا عن طرق لحل مشكلاتهم من خلال الحلول القائمة على الحوار»، فيما روسيا على «استعداد لدعمهم». وتابع البيان: «نؤكد من جديد تضامننا مع الشعب الفنزويلي ودعمنا لمسار قيادته البوليفارية الهادف إلى حماية المصالح الوطنية للبلاد وسيادتها»، علماً أن «روسيا تحافظ على اتصالات مستمرة مع السلطات الفنزويلية».

وفي رسالة منفصلة، قالت الوزارة إن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، تحدث هاتفياً مع نائبة الرئيس الفنزويلي، ديلسي رودريغيز غوميز، معبّراً عن «تضامنه مع الشعب الفنزويلي في مواجهة العدوان المسلح». وفي أعقاب انتشار معلومات عن تواجد نائبة الرئيس في موسكو، نفت روسيا صحة التقارير المشار إليها، واصفةً إياها بـ«المزيفة».

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى