رأي

رجل يتقن فن المبالغة

علي قاسم – العرب:

قبل أن نُعمي أنفسنا ببريق “المعجزات” التقنية، علينا أن نتذكر أن الفرق بين المعجزة والإنجاز الهندسي، هو أن الأولى لا سيطرة لنا عليها، والثانية مسؤوليتنا وحدنا.

في مايو 2026، وقف إيلون ماسك أمام حشد في قمة سامسون الدولية للتنقل الذكي، وأطلق عبارة أحدثت ضجة تجاوزت أروقة التكنولوجيا إلى حلقات النقاش الديني والأخلاقي. وصف ماسك تقنيات شركته “نيورالينك” بأنها “تقنيات بمستوى معجزات المسيح” و”معجزات العلم”. كان يتحدث عن شرائح دماغية تهدف إلى استعادة البصر للمكفوفين والحركة للمشلولين. لكن هل نحن أمام ثورة طبية حقيقية، أم أمام عرض ترويجي مفرط الطموح من رجل بات يتقن فن المبالغة؟

لنكن منصفين: ما حققته “نيورالينك” حتى الآن ليس هينا. سبعة مرضى في المملكة المتحدة، وآخرون في الولايات المتحدة وكندا، باتوا قادرين على التحكم بأجهزة الكمبيوتر والهواتف بمجرد التفكير. سيباستيان غوميز، طالب طب فقد استخدام أطرافه بعد حادث غوص، قال إن التقنية منحته “أملا جديدا”. هذه ليست معجزات، لكنها بلا شك خطوة فارقة في عالم واجهات الدماغ والكمبيوتر.

المشروع الذي تحدث عنه ماسك يهدف إلى تجاوز العين والعصب البصري وإرسال المعلومات مباشرة إلى القشرة البصرية في الدماغ. وقد حصل بالفعل على تصنيف “جهاز ثوري” من إدارة الغذاء والدواء الأميركية. التجارب على القرود مستمرة منذ ثلاث سنوات. الطريق إلى استعادة البصر للإنسان لا يزال طويلا، لكن البوصلة باتت واضحة.

حين يستخدم ماسك لغة المعجزات، فإنه يخلق فجوة خطيرة بين التوقعات والواقع. المقارنة بين تقنية تعيد القدرة على التحكم بجهاز كمبيوتر وبين معجزة إلهية هي، بأدنى تقدير، مبالغة غير لائقة. القس دايفيد جيويت علق بحكمة: “لا أعرف إن كان يحاول القول بأن عمله يمكن أن يحل محل يسوع، أم أنه يقول إن التكنولوجيا تقدمت إلى درجة أننا نحقق أشياء كانت مرتبطة بالمعجزات”.

الأخطر من ذلك هو التاريخ المضطرب للشركة. تحقيقات إدارة الغذاء والدواء كشفت عن مشاكل في مراقبة الجودة وسجلات مفقودة في مختبرات الشركة بكاليفورنيا. اتهامات بالقسوة على الحيوانات، و”تجارب فاشلة” تركت القرود تعاني من نزيف في الدماغ. هذه التفاصيل لا ترويها البيانات الصحفية المتفائلة.

تصريح ماسك يفتح بابا أوسع للنقاش. حين يصف رجل أعمال ابتكاراته بأنها “معجزات”، فهو لا يبيع منتجا تقنيا فحسب، بل يضع نفسه في موقع شبه إلهي. هذه ليست مجرد مسألة أسلوب دعائي، بل مسألة أخلاقية عميقة حول كيفية توجيه التقدم التقني.

المشكلة ليست في طموح ماسك، بل في تعبيره عنه. العالم يحتاج إلى رؤى طموحة تدفع حدود الممكن. لكنه يحتاج أيضا إلى تواضع يعترف بأن كل خطوة تقنية، مهما كانت مبهرة، هي مجرد خطوة في رحلة طويلة. حين توصف هذه الخطوات بـ”المعجزات” في خطاب رجل الأعمال، فإننا نخاطر بفقدان البوصلة الأخلاقية التي يجب أن ترافق كل تقدم علمي.

تقنية “نيورالينك” تمثل تقدما حقيقيا، وربما ثوريا، في مجال واجهات الدماغ. المرضى الذين يستطيعون اليوم التحكم بأجهزتهم بمجرد التفكير هم دليل ملموس على ذلك. لكن وصف هذه التقنية بأنها “معجزات المسيح” خلل في الضمير الأخلاقي.

ماسك يذكرنا بأن أعظم الإنجازات التقنية يمكن أن تُهدر حين تفقد بوصلتها الأخلاقية. وقبل أن نُعمي أنفسنا ببريق “المعجزات” التقنية، علينا أن نتذكر أن الفرق بين المعجزة والإنجاز الهندسي، هو أن الأولى لا سيطرة لنا عليها، والثانية مسؤوليتنا وحدنا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى