
ناشر موقع رأي سياسي – باسم المرعبي:
تحتل دولة الكويت مكانة مميزة في الوجدان العربي، ليس فقط لما تتمتع به من ثقل اقتصادي وموقع استراتيجي، بل أيضاً لما عُرف عنها من مواقف داعمة للدول والشعوب العربية، ومبادرات إنسانية وإنمائية امتدت إلى مختلف أنحاء المنطقة. ومن هنا، يبرز سؤال مشروع في ظل التوترات الراهنة: لماذا تواجه هذه الدولة، التي اعتمدت الحوار والاعتدال في سياستها الخارجية، مخاطر متزايدة في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد؟
إن الإجابة لا تكمن في طبيعة السياسة الكويتية وحدها، بل تتطلب قراءة أوسع للمشهد الإقليمي، حيث تتداخل المصالح العسكرية والاقتصادية، وتفرض الجغرافيا حساباتها على الدول، حتى تلك التي لا ترغب في الانخراط في المواجهات. فموقع الكويت في الخليج العربي، وقربها من بؤر التوتر، يجعلانها عرضة لتداعيات الصراعات التي تتجاوز أحياناً حدود أطرافها المباشرين.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الأسرة الحاكمة في إدارة شؤون البلاد والحفاظ على استقرارها. فقد حرصت القيادة الكويتية، عبر مراحل مختلفة، على اعتماد نهج يقوم على التوازن في العلاقات العربية والدولية، وتغليب الحلول السياسية على المواجهة، بما عزز حضور الكويت في المساعي الدبلوماسية والعمل الإنساني. وقد انعكس هذا التوجه على صورة البلاد باعتبارها دولة تسعى إلى تقريب وجهات النظر، وتدرك أن الاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بالحوار واحترام المصالح المتبادلة.
ولم يكن الدعم الكويتي للدول العربية مجرد استجابة ظرفية للأزمات، بل شكّل جزءاً من توجه يرتكز على التضامن والتعاون والتنمية. فمن المساعدات الإنسانية إلى المبادرات الإنمائية، حرصت الكويت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، انطلاقاً من قناعة بأن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن الأزمات لا ينبغي أن تتحول إلى خصومات دائمة بين شعوبها.
لكن السياسة المسالمة لا توفر حصانة كاملة من المخاطر. فالكويت ترتبط بعلاقات دفاعية مع الولايات المتحدة، وتستضيف قوات ومنشآت عسكرية أميركية، وهو واقع قد يجعلها حاضرة في حسابات أطراف تعتبر الوجود العسكري الأميركي جزءاً من المواجهة الإقليمية. غير أن هذه العلاقات لا تعني أن الكويت تشارك تلقائياً في القرارات العسكرية لحلفائها، ولا تمنح أي طرف مبرراً للمساس بسيادتها أو تعريض شعبها للخطر.
أما تفسير استهداف الكويت بأنه عقاب على مواقفها الإنسانية أو سياستها المعتدلة، فيحتاج إلى أدلة واضحة تثبت دوافع الجهات المسؤولة. فالتحليل الواقعي يقتضي التمييز بين الوقائع والتفسيرات، مع الأخذ في الاعتبار أن اتساع الصراعات قد يعرّض دولاً لم تختر الحرب لتداعياتها المباشرة وغير المباشرة.
وتتجاوز أهمية استقرار الكويت حدودها الوطنية، نظراً إلى دورها الاقتصادي وموقعها ضمن منطقة حيوية لإنتاج الطاقة والتجارة العالمية. فأي اضطراب أمني واسع قد يؤثر في الملاحة والاستثمارات وثقة الأسواق، ويترك انعكاسات على دول الخليج والاقتصاد العربي. لذلك، فإن حماية أمن الكويت ليست مصلحة كويتية فحسب، بل مسؤولية تتصل باستقرار المنطقة بأسرها.
في المحصلة، تستمد الكويت مكانتها من تجربتها السياسية، ونهج أسرتها الحاكمة في إدارة البلاد، وعلاقاتها العربية، ودورها الإنساني الذي عزز حضورها في محطات متعددة. وتكمن أهمية المرحلة الراهنة في قدرة القيادة الكويتية على مواصلة سياسة التوازن، وحماية مصالح الدولة، وتكثيف الجهود الدبلوماسية لتجنب اتساع المواجهة.
إن الدولة التي تختار الحوار لا ينبغي أن تصبح ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فاحترام سيادة الكويت، وصون أمن مواطنيها، وإبعادها عن تداعيات الحروب، ليست مطالب وطنية مشروعة فحسب، بل شروط أساسية للحفاظ على استقرار الخليج وتعزيز فرص التسوية في المنطقة العربية.




