حين اختبرت سبتة الشراكة.. نجح المغرب وربحت أوروبا

حلمي همامي – العرب:
في السياسة، لا تُقاس الشراكات بالتصريحات وحدها، بل بما تكشفه الأزمات من موازين القوة وحدود الاعتماد المتبادل. وهذا ما أظهرته موجة الهجرة التي شهدها جيب سبتة المحتل الأسبوع الماضي، والتي لم تكن مجرد اختبار أمني للمغرب وإسبانيا، بل تحولت إلى محطة كشفت مجدداً حجم الرهان الأوروبي على الرباط باعتبارها شريكاً لا غنى عنه في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وهو ملف الهجرة غير النظامية.
فما إن تصاعدت محاولات التسلل نحو سبتة حتى جاءت الاستجابة المغربية سريعة وحاسمة. فقد كثفت السلطات عمليات المراقبة، وعززت انتشارها الأمني، ورفعت مستوى التنسيق مع الجانب الإسباني، الأمر الذي ساهم في احتواء الأزمة خلال فترة وجيزة وإعادة الاستقرار إلى المنطقة الحدودية.
هذه السرعة في التحرك لم تمر مرور الكرام داخل المؤسسات الأوروبية، بل أعادت التأكيد على حقيقة باتت راسخة في بروكسل، وهي أن أمن الحدود الجنوبية لأوروبا يبدأ عملياً من التعاون مع المغرب.
ولعل الرسالة التي وجهتها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تعكس هذا الإدراك بوضوح. فالدعوة إلى زيادة الدعم المالي والفني للمغرب لم تأت باعتبارها مبادرة تضامنية، وإنما باعتبارها استثماراً أوروبياً في شريك أثبت قدرته على إدارة الحدود ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين بكفاءة عالية.
هذا التحول في الخطاب الأوروبي يحمل دلالات أعمق من مجرد الإشادة بالأداء المغربي. فهو يعكس انتقال العلاقة بين الرباط والاتحاد الأوروبي من منطق التعاون الظرفي إلى منطق الشراكة الاستراتيجية. فالمغرب لم يعد يُنظر إليه كدولة عبور للمهاجرين، بل كفاعل رئيسي في منظومة الأمن الحدودي الأوروبية، يمتلك خبرة ميدانية وقدرات أمنية ولوجستية تجعل منه أحد أهم ركائز السياسة الأوروبية في مواجهة الهجرة غير النظامية.
دعوة فون دير لاين إلى زيادة الدعم المالي والفني للمغرب لم تأت باعتبارها مبادرة تضامنية، وإنما باعتبارها استثماراً أوروبياً في شريك أثبت قدرته على إدارة الحدود ومكافحة شبكات تهريب المهاجرين بكفاءة عالية.
وخلال السنوات الأخيرة، نجح المغرب في بناء نموذج متكامل لإدارة هذا الملف، يقوم على ثلاثة محاور متوازية. الأول أمني، من خلال تحديث منظومة المراقبة البحرية والبرية، وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر، وإحباط آلاف محاولات الهجرة غير النظامية. والثاني إنساني، عبر اعتماد سياسة لتسوية أوضاع آلاف المهاجرين وتمكينهم من الاندماج داخل المجتمع المغربي. أما الثالث فهو تنموي، يقوم على التعاون مع الدول الإفريقية لمعالجة الأسباب العميقة للهجرة، بدلاً من الاكتفاء بالحلول الأمنية.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن تؤكد فون دير لاين أن المغرب “شريك استراتيجي مهم”، وأن تدعو إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر وتوسيع الدعم الأوروبي الموجه للرباط. فالاتحاد الأوروبي يدرك أن أي تراجع في قدرة المغرب على ضبط حدوده ستكون له انعكاسات مباشرة على الضفة الشمالية للمتوسط.
كما تكشف الأزمة أن أوروبا باتت أكثر واقعية في مقاربتها للهجرة. فبعد سنوات من التركيز على الإجراءات الداخلية، أصبحت بروكسل مقتنعة بأن نجاح سياساتها يبدأ من دعم شركائها في الجوار، وفي مقدمتهم المغرب. لذلك لم تعد المساعدات المقدمة للرباط تُقرأ باعتبارها دعماً لدولة مجاورة، بل باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الأوروبي نفسها.
وفي المقابل، يمنح هذا الاعتراف الأوروبي المغرب هامشاً أوسع لتعزيز موقعه التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي في ملفات متعددة. فكلما تعززت قناعة الأوروبيين بأن أمنهم الحدودي مرتبط بالشراكة مع الرباط، ازدادت أهمية المغرب كشريك استراتيجي يتجاوز دوره ملف الهجرة ليشمل الأمن الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، والتعاون الاقتصادي، والاستقرار في غرب المتوسط.
لكن هذا التطور يفرض في الوقت نفسه تحديات على الطرفين. فالمغرب يتحمل أعباء متزايدة في حماية حدود لا تخصه وحده، بينما يبقى الاتحاد الأوروبي مطالباً بتحويل خطاب الإشادة إلى شراكة أكثر توازناً، تقوم على دعم مستدام، وتقاسم المسؤوليات، والاستثمار في التنمية إلى جانب المقاربة الأمنية.
لم تكن أزمة سبتة مجرد حادثة حدودية عابرة، بل شكلت اختباراً عملياً أثبت أن المغرب أصبح ركناً أساسياً في استراتيجية الاتحاد الأوروبي لإدارة الهجرة.
وإذا كانت الأزمات تكشف قيمة الحلفاء الحقيقيين، فإن ما حدث أكد أن الرباط لم تعد مجرد شريك في هذا الملف، بل أصبحت عنصراً لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن والاستقرار على الضفة الغربية للبحر المتوسط.




