رأي

حصيلة قتلى السودان في عام 2025 قد تصل إلى 100 ألف

لا تزال أعداد القتلى في الحرب السودانية، منذ اندلاعها في نيسان/أبريل 2023، موضع خلاف. وكان تحديد أعداد القتلى خلال عام 2025 صعباً بصورة خاصة، في ظل انقطاع الاتصالات ومنع وصول المساعدات الإنسانية.

تتفاوت تقديرات أعداد القتلى الذين سقطوا مباشرةً من جراء الحرب الأهلية في السودان تفاوتاً كبيراً، ويعود ذلك جزئياً إلى الصعوبة البالغة في إحصاء الضحايا في مناطق النزاعات المستمرة. ففي عام 2025، على سبيل المثال، أفادت إحدى المنظمات المعنية برصد النزاعات بمقتل نحو 19 ألف شخص نتيجة العنف السياسي في مختلف أنحاء السودان، في حين قدّرت فرق بحثية أخرى الحصيلة بأكثر من 70 ألف قتيل.

طوّرت الباحثة في شؤون النزاعات باولا فيسكو وفريقها نموذجاً يساعد على قياس درجة عدم اليقين المرتبطة بتقديرات أعداد قتلى النزاعات. ويأخذ نهجهم في الحسبان ميل قواعد بيانات النزاعات إلى التقليل من أعداد القتلى، ويقدّم نطاقاً أكثر واقعية للحصائل المحتملة. ويشرح الباحثون كيف يمكن لنموذجهم تحسين تقديرات أعداد القتلى في نزاعات مثل الحرب في السودان.

ماذا نعرف عن أعداد القتلى في السودان؟

لا تزال أعداد القتلى في الحرب السودانية، منذ اندلاعها في نيسان/أبريل 2023، موضع خلاف. وكان تحديد أعداد القتلى خلال عام 2025 صعباً بصورة خاصة، في ظل انقطاع الاتصالات ومنع وصول المساعدات الإنسانية.

وفي عام 2025، اشتد القتال مع تقدّم قوات الدعم السريع، وهي مجموعة شبه عسكرية تخوض حرباً ضد الجيش السوداني للسيطرة على الدولة منذ عام 2023، في دارفور وشمال كردفان. وارتفعت أعداد القتلى المدنيين والنازحين.

وفي شباط/فبراير 2026، خلصت بعثة لتقصّي الحقائق تابعة للأمم المتحدة إلى أنّ عمليات القتل التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في الفاشر تحمل سمات الإبادة الجماعية.

وشكّلت سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في إقليم دارفور، في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد حصار استمر 18 شهراً، تحوّلاً إقليمياً واستراتيجياً مهماً في مسار الحرب. فقد عزّزت هذه السيطرة نفوذ قوات الدعم السريع على معظم أنحاء دارفور، وقوّت موقعها في غرب السودان. وكانت أيضاً واحدة من أكثر مراحل الحرب دموية.

وأفادت منظمة “ACLED”، المعنية برصد النزاعات حول العالم، بمقتل نحو 19 ألف شخص، ووصفت هذا الرقم بأنه حدّ أدنى متحفّظ لأعداد الوفيات الناجمة مباشرةً عن العنف السياسي في السودان خلال عام 2025.

أما برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، وهو فريق بحثي تابع لجامعة أوبسالا وهو يوثّق أعداد قتلى النزاعات حول العالم منذ عقود، فقد قدّر أنّ الهجمات ضد المدنيين أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 60 ألف شخص، فيما قُتل أكثر من 10 آلاف آخرين في المعارك بين الجيش والجماعات المسلحة.

واستناداً إلى شهادات الناجين وصور الأقمار الاصطناعية وأدلة أخرى، قدّر مختبر البحوث الإنسانية التابع لجامعة ييل أنّ ما لا يقل عن 60 ألف شخص قُتلوا خلال سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر وبعدها، بين أواخر تشرين الأول/أكتوبر ونهاية كانون الأول/ديسمبر 2025.

والأسوأ من ذلك أنّ هذه الأرقام لا تشمل سوى الوفيات الناجمة مباشرةً عن أعمال العنف في السودان. فمن المرجّح أنّ أعداداً أكبر بكثير لقوا حتفهم بسبب الأمراض والمجاعة، بعدما أقامت قوات الدعم السريع سواتر ترابية حول الفاشر في محاولة لتجويع السكان وإخضاعهم.

لماذا تختلف التقديرات إلى هذا الحد؟

لا يمكن معرفة العدد الحقيقي لقتلى الحرب على وجه اليقين، لكنّ الباحثين يفهمون بدرجة معقولة أسباب اختلاف التقديرات.

وينبع جزء كبير من التفاوت بين التقارير من اختلاف الطريقة التي تختار بها المؤسسات مصادرها وتتعامل معها.

ويستند تقدير برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، الذي يشير إلى مقتل 60 ألف شخص في الفاشر، مباشرةً إلى نتائج مختبر البحوث الإنسانية التابع لجامعة ييل. وتدعم هذا التقدير تقارير مستقلة صادرة عن وسائل إعلام سودانية ومنظمات غير حكومية ووكالات تابعة للأمم المتحدة.

وإلى جانب هذا الرقم “الأفضل”، أي الأكثر ترجيحاً، يحتفظ برنامج أوبسالا أيضاً بتقدير “مرتفع” يبلغ 75 ألف قتيل، ويعكس الحد الأعلى لتقييم جامعة ييل، فضلاً عن تقدير “منخفض” يقلّ عنه بدرجة ملحوظة، للإشارة إلى أنّ العدد الدقيق للقتلى لا يزال غير مؤكّد.

في المقابل، تعتمد منظمة “ACLED” رقماً واحداً لأعداد القتلى، وتختار التقدير الأكثر تحفّظاً عندما تختلف المصادر.

وينشأ التفاوت في تقديرات أعداد القتلى أيضاً من اختلاف آليات معالجة المعلومات لدى المؤسسات المعنية برصد النزاعات.

فيسجّل كلٌّ من برنامج أوبسالا ومنظمة “ACLED” التاريخ والموقع الدقيقين للحوادث العنيفة عندما تتوافر هذه المعلومات. لكنّ منظمة “ACLED” لا تحتسب سوى الوفيات التي يمكن ربطها بحادثة محدّدة. ولذلك، قد تُستبعد الوفيات التي يُبلّغ عنها ضمن حصيلة إجمالية، من دون تحديد الحوادث المرتبطة بها.

أما برنامج أوبسالا، فيسجّل هذه الوفيات ضمن ما يُعرف بـ”الحدث الإجمالي” (summary event)، الذي يعرض الحصيلة الإجمالية للقتلى خلال فترة زمنية أطول أو ضمن منطقة جغرافية أوسع، بدلاً من ربطها بهجوم واحد.

وتكتسب هذه القاعدة، التي تبدو بسيطة، أهمية بالغة عندما تتراكم أعداد كبيرة من القتلى نتيجة حوادث صغيرة عديدة غير محدّدة التاريخ، كما حدث في الفاشر.

ما الذي فعلناه بصورة مختلفة، وإلى أيّ أرقام توصّلنا؟

إنّ تقديم تقدير لدرجة عدم اليقين، أي نطاق محتمل لأعداد الأشخاص الذين ربما لقوا حتفهم في الحرب، بدلاً من رقم واحد، يعكس مستوى الثقة الذي يستحقه التقدير، ويدعو إلى التعامل معه بحذر.

ومع ذلك، تكتفي معظم المصادر بالإبلاغ عن رقم واحد.

في دراسة نُشرت مؤخراً، وضعنا تقديراً لدرجة عدم اليقين. فقد أجرينا استطلاعاً شمل خبراء ترميز البيانات في برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، بهدف بناء نموذج يحوّل أي رقم منفرد إلى نطاق محتمل لأعداد الأشخاص الذين لقوا حتفهم في حرب معينة. ويُعرف هذا النطاق باسم “التوزيع الاحتمالي”.

وطبّقنا هذا النموذج على السودان خلال عام 2025، وتُعرض النتائج في الرسم البياني أدناه. فبالنسبة إلى كلّ عدد من الوفيات على المحور الأفقي، يشير ارتفاع المنحنى إلى مدى ترجيح هذا العدد وفقاً لنموذجنا. وكلما ارتفع المنحنى، زادت احتمالية صحة الرقم.

وتشير ذروة المنحنى في نموذجنا إلى أنّ الحصيلة الأكثر ترجيحاً لقتلى الحرب في السودان خلال عام 2025 تقترب من 80 ألف قتيل. وبما أنّ نموذجنا يستند إلى بيانات برنامج أوبسالا، فليس من المستغرب أن يكون هذا التقدير قريباً من الأرقام التي يعلنها البرنامج.

وقد وجدنا أنّ العدد الحقيقي للأشخاص الذين قُتلوا خلال عام 2025 يقع، على الأرجح، بين 73 ألفاً و90 ألف قتيل، باحتمال يبلغ 90%، مع وجود احتمال ضئيل بأن تصل الحصيلة الفعلية إلى 100 ألف قتيل.

ويشير هذا النطاق الضيّق نسبياً إلى أنّ درجة عدم اليقين المحيطة بأعداد قتلى السودان أقل بكثير مما كان يُعتقد، إذ إنّ الحد الأدنى لهذا النطاق يتجاوز بكثير العديد من التقديرات الرسمية.

ومع ذلك، ينبغي التعامل مع تقديراتنا بحذر، لأنها تستند إلى خبرات برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، ولا تعكس تقديرات الجهات الأخرى إلا بصورة غير مباشرة. والأهم من ذلك أنّ نتائج نموذجنا لا يمكن التحقّق منها بمقارنتها بالعدد الحقيقي للقتلى، الذي يبقى مجهولاً في الغالب، نظراً إلى وجود دوافع لدى أطراف النزاع لإخفائه.

ورغم هذه التحفّظات، فإنّ تقديم نطاق محتمل لأعداد قتلى الحرب، بدلاً من رقم واحد، يعزّز قوة التقدير، ولا يترك مجالاً واسعاً لرفض الأرقام غير المرغوب فيها بحجة أنها غير موثوقة.

لماذا تُعدّ هذه البيانات مهمة؟

إنّ فهم أسباب اختلاف تقديرات أعداد قتلى النزاعات بين المصادر، وكيفية حدوث هذا الاختلاف، يعزّز الشفافية.

وفي الفترة المحيطة بـالهجوم على الفاشر، تحوّل عدم اليقين بشأن أعداد القتلى الواردة في التقارير إلى قضية سياسية. ونرى أنه ينبغي التعامل معه باعتباره مسألة علمية قابلة للقياس.

وتشير الأدلة إلى أنّ مجزرة الفاشر كان من الممكن منعها. فطوال فترة الحصار، حذّرت المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الأكاديمية مراراً المسؤولين الأجانب من وقوع حمّام دم وشيك.

وكان من الممكن أن يسهم الضغط على الإمارات العربية المتحدة، الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع، في الحد من تدفّق الأسلحة إلى هذه القوات. غير أنّ السياسيين الغربيين أعطوا الأولوية للعلاقات الاقتصادية والسياسية مع أبو ظبي على حساب منع الفظائع.

وقد غضّ المسؤولون الطرف، متجاهلين التقارير التي تحدّثت عن ارتفاع أعداد القتلى أو مقلّلين من أهميتها بحجة أنّ أرقامها غير مؤكدة.

ومنذ اندلاع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع، أصبح السودان مسرحاً لإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية وأزمات النزوح في العالم. ويحتاج أكثر من 34 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان البلاد، إلى مساعدات إنسانية، بما فيها المساعدات الغذائية. كما تشير التقديرات إلى نزوح 14 مليون شخص.

وكان من الممكن توقّع هذه المعاناة والحدّ منها. فحتى وفقاً لأكثر التقديرات تحفّظاً، يُظهر نموذجنا أنّ أكثر من 70 ألف شخص لقوا حتفهم خلال عام 2025، معظمهم في غضون بضعة أشهر. فهل يُعدّ مقتل 70 ألف شخص سبباً كافياً لغضّ الطرف؟

لقد دأبت مؤسسات رصد النزاعات، مثل برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، على توثيق أعداد قتلى الحروب منذ عقود، بالاعتماد على مصادر خضعت للتحقّق وقواعد متسقة لترميز البيانات.

وبما أنّ درجة عدم اليقين المحيطة بأرقام هذه المؤسسات قابلة للقياس، كما يُظهر نموذجنا، فلم يعد بالإمكان اتخاذ هذا الغموض ذريعة للتأخير أو التقاعس عن التحرّك.

فغالباً ما يمتلك صانعو القرار المعلومات اللازمة للتحرّك مبكراً. وإذا استُخدمت هذه المعلومات في الوقت المناسب، فقد تساعد على منع وقوع الفظائع وإنقاذ الأرواح.

المصدر: موقع “The Conversation” الأميركي

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى