حرب من نوع آخر

يونس السيد – الخليج :
ما تشهده الضفة الغربية المحتلة، في الآونة الأخيرة، ليس مجرد اعتداءات أو تصاعد في عنف المستوطنين فحسب، بل هي حرب من نوع آخر ليست بالضرورة مرتبطة بالتصعيد الإقليمي الدائر في المنطقة، بقدر ما هي حرب ممنهجة ومخطط لها مسبقاً، وإن كانت تستفيد من الظروف الناشئة لتسريع حسم الصراع على الأرض.
وبغض النظر عما يمكن إطلاقه من توصيفات لهذه الحرب التي باتت تطال البشر والشجر والحجر، كالحرب المنسية أو المسكوت عنها، أو غير ذلك، نظراً للانشغال العالمي بالتصعيد الجاري في المنطقة، فإنها في الحقيقة تأتي استكمالاً لحرب الإبادة التي بدأت في غزة بعد السابع من أكتوبر 2023. وهي لم تتوقف عند هذا الحد، بل تحوّلت إلى حرب على الجغرافيا والتاريخ تتحرك على خلفية عوامل دينية وأيديولوجية متطرفة، لفرض واقع جيوسياسي جديد ومغاير لما كان عليه الحال منذ قرون.
وبالتالي فإن المسألة لم تعد تتعلق بالتشريعات التي تسهل الاستيلاء على الأرض، ولا بالإجراءات والأوامر العسكرية التي يصدرها الاحتلال بالمصادرة وعمليات الهدم والتهويد، وإنما بمنح المستوطنين مساحة أكبر من الحرية في القتل المباشر للفلسطينيين، ضمن السياسة الجديدة التي انتهجها الوزير اليميني المتطرف بن غفير عبر تسليح المستوطنين.
وتتجلى هذه السياسة الجديدة، ليس فقط في تقرير مصادرة الأرض وحدودها نيابة عن سلطات الاحتلال، التي تقوم بتوفير الحماية لها على كل حال، وإنما في غض النظر عن الانفلات الهستيري للمستوطنين في عمليات مهاجمة القرى والتجمعات الفلسطينية وإحراق المنازل والمركبات والمنشآت والأماكن الدينية، وحتى سرقة الممتلكات الفلسطينية والانتشار في مختلف شوارع الضفة الغربية بحماية جيش الاحتلال أو بمشاركته، أو في أقل الأحوال، تبرير الجرائم التي يرتكبها هؤلاء المستوطنون.
بهذا المعنى، فإن ما يجري في الضفة الغربية هو حرب وجودية ليس بالنسبة لإسرائيل ومستوطنيها، وإنما للفلسطينيين، على وجه الخصوص، بهدف اقتلاعهم من أرضهم وتهجيرهم منها، بقدر ما تستهدف أيضاً، تضييق الخناق على الفلسطينيين وحشرهم في تجمعات صغيرة معزولة يسهل التعامل معها لاحقاً، بعد حسم السيطرة الفعلية على الأرض وتحقيق الضم الفعلي، من دون إعارة أي اهتمام لا بالمواقف الدولية ولا بالقوانين الدولية.
وهو ما نرصده في تقارير الأمم المتحدة التي تتحدث عن «التطهير العرقي» وعمليات التهجير الممنهجة التي تستهدف تغيير الواقع الديمغرافي والجيوسياسي في الأراضي المحتلة. يساعدها على ذلك غياب ردود الفعل الجدية للمجتمع الدولي، والمجموعة الأوروبية تحديداً، التي تكتفي بالتنديد أو فرض العقوبات على بعض زعماء ومجموعات المستوطنين المتطرفين، والتي لا يتم تنفيذها غالباً، فيما يشجع الصمت الأمريكي هؤلاء المتطرفين على المضي قدماً في تنفيذ مخططاتهم، والقضاء على أي إمكانية لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتحقيق السلام في المنطقة، على الرغم من معارضة واشنطن المعلنة لضم الضفة الغربية.




