رأي

حرب أوكرانيا تكشف هشاشة القارة العجوز

محمد الصالحين الهوني – العرب:

الغزو الروسي وحّد أوروبا بداية لكن الزمن الطويل للحرب كشف هشاشة التماسك، حيث تتباين المواقف بين الشرق المتشدد والغرب المتردد مهددة وحدة القرار الأوروبي.

على الورق، لا تزال أوروبا متماسكة. بيانات قادة الاتحاد الأوروبي من برلين إلى باريس مرورا بوارسو تصدر بانتظام لتؤكد “دعم أوروبا الثابت لأوكرانيا مهما طال الزمن”. العقوبات تُمدد، المساعدات تُقر، وكلمات مثل “النصر الإستراتيجي” و”الدفاع عن القيم الغربية” تُعاد مثل تعويذة مقدسة. لكن تحت هذا السطح المصقول من الوحدة الرسمية، تسمع أصواتا أخرى: احتجاجات مزارعين في بولندا يعترضون على واردات الحبوب الأوكرانية، تظاهرات في سلوفاكيا ترفع أعلاما روسية، واستطلاعات رأي في ألمانيا تُظهر أن أقل من ثلث المواطنين يؤيدون زيادة إمدادات الأسلحة إلى كييف.

المفارقة صارخة: لم يسبق أن كانت أوروبا أكثر توحدا في خطابها، وفي الوقت نفسه أكثر تشظيا في نبض شوارعها وعواصمها. فهل تستطيع أوروبا أن تتحمل كلفة حرب لا نهاية لها في الأفق؟ أم أن الانقسام الذي بدأ يطل برأسه سيكون الفاصل الحقيقي في هذه المواجهة؟

في فبراير/شباط 2022 كان المشهد مختلفا تماما. الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا صدم القارة الأوروبية كصاعق كهربائي. تراجع التردد التاريخي لألمانيا في السياسة العسكرية، وتحطمت عقود “تغيير عبر التقارب” راهنت عليها برلين. أعلن المستشار أولاف شولتس عن “عصر تحول”، وتدفقت الأسلحة الأوروبية إلى أوكرانيا بوتيرة غير مسبوقة. حتى دول كانت تعتبر “محايدة” مثل السويد وفنلندا سارعت إلى التخلي عن حيادها والتقدم بطلب العضوية في حلف شمال الأطلسي. بدا أن أوروبا وجدت أخيرا لحظة جامعة: التهديد الروسي يبرر كل تضحية. وفي تلك الفترة، كانت النخب السياسية والإعلامية تردد عبارة واحدة: “إذا سقطت أوكرانيا، ستكون دول البلطيق أو بولندا التالية”.

لكن الزمن الطويل للعدوان الروسي أثبت أن الوحدة الأوروبية تشبه الخرسانة في المطر: تتصدع تدريجيّا. بعد عامين من الحرب، بدأت حلقات الضعف تظهر. أولى الشقوق كانت اقتصادية. اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية، الذي ظل لعقود “تابوًا لا يناقش”، تحول فجأة إلى سيف مسلط على رقاب الصناعات الألمانية والفرنسية والإيطالية. تضاعفت أسعار الغاز، وأغلقت مصانع كيميائية كبرى أبوابها، وتضخمت فواتير التدفئة في شتاء قارس. الأوروبي العادي لم يعد يسأل “كيف نوقف بوتين؟”، بل بدأ يسأل “لماذا ندفع ثمن حرب ليست حربنا وحدنا؟”.

اليوم، الانقسام صار جغرافيّا بقدر ما هو سياسي. شمال أوروبا ودول البلطيق وبولندا لا تزال متشددة؛ بالنسبة إليها، الحرب ليست مجرد نزاع حدودي، بل مسألة وجود، هذه البلدان ترى أن أي تراجع في دعم أوكرانيا يعني أن جيوشها ستكون الخط الدفاعي التالي. أما في الجنوب -إيطاليا وإسبانيا واليونان- فالحرب بعيدة جغرافيّا، والمخاوف من موجة لجوء جديدة أو من اضطراب اقتصادي تفوق المخاوف الأمنية. لكن أخطر تصدع هو في قلب أوروبا نفسها: ألمانيا وفرنسا. فبرلين، التي كانت رائدة في دعم كييف بالأسلحة الثقيلة، أصبحت تتردد بين ضغوط الصناعة المحلية التي تطالب باستئناف العلاقات التجارية مع موسكو، وبين شركائها الأوروبيين الذين يتهمونها بـ”التسويف”. أما باريس فقد انزلقت في تناقض غريب: يتحدث الرئيس إيمانويل ماكرون عن “إمكانية إرسال قوات غربية إلى أوكرانيا” لاستعراض القوة، لكنه في الوقت نفسه يُصر على “عدم إذلال روسيا” -تناقض يعكس ارتباك النخبة الفرنسية أكثر مما يعكس إستراتيجية واضحة.

رغم وحدة الخطاب الرسمي الأوروبي تكشف الاحتجاجات الشعبية واستطلاعات الرأي عن تصدعات عميقة تجعل استمرار الدعم لأوكرانيا اختبارًا لقدرة الاتحاد على الصمود

التداعيات عميقة تتجاوز الأرقام العسكرية. الانقسام الأوروبي يهدد وحدة الاتحاد الأوروبي في صميمها. آلية اتخاذ القرار في بروكسل تعتمد على الإجماع أو الأغلبية المؤهلة، لكن حين يصل الخلاف إلى حد أن رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيتسو يعلن صراحة وقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا، ويصف القادة الأوروبيين بـ”الحمقى”، فإن العمل المؤسسي يتحول إلى مهزلة.

كذلك، حلف الناتو -الذي يظل العمود الفقري للأمن الأوروبي- بدأ يشعر بالضغط. فبقدر ما يريد الأمين العام ينس ستولتنبرغ إظهار الصورة الموحدة، هناك قادة أوروبيون يرفعون مستوى الخطاب ضد روسيا علنا، ثم يتصلون سرا بمستشارين لبحث “سيناريوهات التسوية”. وهذا التناقض ليس مجرد ضعف تنسيق، بل هدية ثمينة تقدمها أوروبا لروسيا. فالمخابرات الروسية تقرأ الانقسام الغربي جيدا، والكرملين يدرك أن الوقت يعمل لصالحه: كلما طالت الحرب، زادت احتمالية انهيار الإجماع الأوروبي، وهو ما يفسر إستراتيجية بوتين القائمة على “انتظار التعب الغربي”.

أمام هذا الواقع الهش، ثمة أربعة سيناريوهات مستقبلية ترسم ملامح المرحلة المقبلة:

الأول، استمرار الدعم العسكري والمالي رغم الضغوط الداخلية. هذا يعني أن أوروبا ستواصل تقديم المساعدات لأوكرانيا، لكن ببطء وتردد، ومع تأخيرات متزايدة. هذا السيناريو مرجح على المدى القصير، لكنه لا يحل المعادلة الصعبة: أوروبا ستدفع أموالاً وأسلحة دون أن تكون لديها إستراتيجية خروج واضحة.

الثاني، البحث عن تسوية سياسية مع روسيا، بوساطة ربما تركية أو صينية، تقوم على تجميد الصراع على خطوط التماس الحالية، مع تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا دون عضوية الناتو. هذا السيناريو مكروه علنا لدى دول شرق أوروبا، لكنه قد يصبح مقبولاً خلف الأبواب المغلقة إذا استمر التعب الأوروبي.

الثالث، تصاعد الانقسام ليؤثر على وحدة الاتحاد الأوروبي نفسه. في هذا السيناريو الأسوأ، قد نشهد كتلاً أوروبية متباينة: مجموعة “الحرب حتى النصر” (بولندا ودول البلطيق)، ومجموعة “التسوية الواقعية” (ألمانيا وفرنسا)، ومجموعة “الانسحاب الضمني” (المجر وسلوفاكيا). هذا الانقسام سيشل قدرة الاتحاد على العمل كفاعل موحد، وقد يشجع قوى معادية لروسيا داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.

الرابع، إعادة تعريف دور أوروبا في الأمن العالمي. هناك سيناريو أكثر تفاؤلا -لكنه يتطلب قيادة نادرة- يفيد بأن الحرب في أوكرانيا قد تدفع أوروبا أخيرا نحو بناء قوة عسكرية ذاتية، بعيدا عن الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة. هذا يعني إنشاء “جيش أوروبي” أو هيكل دفاع مستقل عن الناتو. لكن هذا السيناريو يصطدم بعقبات تاريخية، أبرزها تردد الدول الأعضاء في التخلي عن سيادتها الوطنية لصالح قيادة أوروبية موحدة.

في النهاية، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة. لكن المؤكد أن أوروبا اليوم تقف أمام خيار تاريخي، حيث يتعين عليها أن تختار بين الاستمرار في المواجهة مهما كانت الكلفة، أو البحث عن تسوية تحفظ مصالحها الداخلية وتعيد لها القدرة على إدارة أزماتها. وفي كلا الخيارين، ستظل أوكرانيا هي الساحة التي تُختبر فيها قوة أوروبا ووحدتها، وستظل روسيا هي اللاعب الذي يترقب لحظة الانقسام ليحقق مكاسب إستراتيجية على حساب القارة العجوز.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى