رأي

حرب أميركا على إيران جهد من الحزبين

جون رينولدز – موقع “Antiwar” الأميركي:

ما يزال إلقاء القنابل على المدن الإيرانية تتويجاً لعقود من التصعيد التدريجي في سياسات الحزبين “الديمقراطي” و”الجمهوري”.

تسقط القنابل الأميركية الآن على مدن إيران بأمر من دونالد ترامب الذي يفعل ما فعلته الإدارات التي سبقته، سواء كانت من “الجمهوريين” أم “الديمقراطيين”، الذين سبقوه وصنعوا البندقية التي يطلق منها ترامب النار. ففي عام 1995، أصدر الرئيس الأميركي بيل كلينتون أوامر تنفيذية تحظر الاستثمار الأميركي المرتبط بقطاع النفط الإيراني، وبعد ذلك شددها لتطال معظم التجارة والاستثمار الأميركيين في إيران. وقد برّرت إدارته هذه العقوبات باتهام سيُستخدم لاحقاً ضد عراق صدام حسين بعد أقل من عقد، وهو “جهود إيران للحصول على أسلحة الدمار الشامل” ودعمها المزعوم للإرهاب.

ومع أنه، حينذاك، كانت قد أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت قد زارت إيران قبل ذلك بسنوات قليلة لتفتيش أنشطتها النووية، بأنها لم تجد أي دليل على تصنيع أسلحة نووية. وفي عام 1996، تابع الكونغرس ذلك بإقرار قانون العقوبات على إيران وليبيا، الذي مرّ في مجلس النواب بأغلبية مطلقة، وبإجماع في مجلس الشيوخ، مستهدفاً الشركات الأجنبية والأميركية التي تستثمر أكثر من 20 مليون دولار سنوياً في قطاع الطاقة الإيراني.

وفي عام 2000، حذّر تقرير صادر عن مركز أبحاث محافظ جديد يُدعى “مشروع القرن الأميركي الجديد” من أنه، حتى لو أزيل صدام حسين، فإن “الحاجة إلى وجود قوة أميركية كبيرة” في المنطقة ستظل قائمة، لأن “إيران قد تشكل تهديداً كبيراً للمصالح الأميركية في الخليج” كما فعل العراق. ويُذكر أن عدة شخصيات بارزة كانت مرتبطة بمركز الأبحاث انضمت لاحقاً إلى إدارة بوش منهم دونالد رامسفيلد، وبول وولفويتز، وجون بولتون.

وبعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر في عام 2001 بقليل، عرضت إيران مساعدتها لمكافحة الإرهاب على الولايات المتحدة، لكن بدلاً من ذلك جمعها الرئيس بوش مع العراق وكوريا الشمالية تحت تسمية “محور الشر”. وحُوفظ على عقوبات عهد كلينتون، وأُضيفت إليها عقوبات جديدة، وبدأت الإجراءات السرية لتقويض المؤسسات الإيرانية.

وفي ذاك العام، أقر الكونغرس تفويض استخدام القوة العسكرية بأغلبية 420 مقابل 1 في مجلس النواب، و98 مقابل صفر في مجلس الشيوخ، ما منح الرئيس سلطة واسعة لاستخدام العمل العسكري ضد من هم مرتبطون بتلك الهجمات. وعلى الرغم من أن إيران لم تكن لها صلة بتلك الأحداث، إلا أن اللغة الواسعة المتعمدة لمشروع القانون أنشأت إطاراً قانونياً دائماً للعمل العسكري في جميع أنحاء الشرق الأوسط من دون الحاجة إلى موافقة جديدة من الكونغرس.

مع اقتراب نهاية ولاية جورج بوش في منصبه، خلص تقدير لجميع وكالات الاستخبارات الأميركية لعام 2007، بدرجة عالية من الثقة بأن إيران لم تكن في ذلك الوقت تبني سلاحاً نووياً، لكن سياسات باراك أوباما واصلت قرع طبول الحرب، وفي عام 2010، وسّع بشكل كبير العقوبات المالية المفروضة على قطاعات النفط والغاز والمصارف في إيران، وهي إجراءات قيّدت بشدة الوصول إلى الأدوية الأساسية في إيران، وقد أُقرت في مجلس النواب بأغلبية 408 ضد 8 وفي مجلس الشيوخ بأغلبية 99 مقابل صفر…

كذلك كثّفت إدارة أوباما العمليات السيبرانية التي بدأت في عهد بوش ضد المنشآت النووية الإيرانية. وقد نُسب إلى فيروس “دودة ستاكسنت الإلكترونية” التي طُورت من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل”، أنها عطلت مئات أجهزة الطرد المركزي وأخّرت جهود التخصيب، رغم أن البرنامج النووي كان يظهر باستمرار عدم وجود أي مؤشرات على تحويله إلى برنامج تسليحي.

في عام 2015، أبرم أوباما اتفاقاً نووياً قيّد بقوة البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات. لكن الاتفاق كان درساً متقناً في الدعاية المعاكسة، وأدى إلى مزيد من الإجماع حول الحرب من خلال تصوير إيران كدولة معتدية، وعبر الاستمرار في ترسيخ سردية مفادها أنها كانت مهتمة بالسعي إلى أسلحة نووية، رغم استمرار الأدلة على عكس ذلك. بينما كانت “إسرائيل” أكثر حلفاء أميركا عدوانية في المنطقة مستثناة من مثل هذا التدقيق، ومخزوناتها النووية الخاصة مُحاطة بالسرية ومخفيّة عن أي شكل من أشكال الرقابة الدولية.

وبعد أن رفع الاتفاق النووي بعض العقوبات عن إيران في عام 2016، انتعش الاقتصاد في البلاد، في حين واصل الصقور في الولايات المتحدة و”إسرائيل” القلق، يتناوبون على التهويل بالخطر، ويحركون خط النهاية بعيداً عن أسلحة إيران النووية غير الموجودة، متجهين بدلاً من ذلك إلى نفوذها الإقليمي وبرنامجها للصواريخ البالستية. وفي العام التالي اتحد “الجمهوريون” و”الديمقراطيون” لتمرير عقوبات جديدة على برنامج إيران الصاروخي، إلى جانب الكيانات المرتبطة بالحرس الثوري. وقد أُقرّت هذه التدابير بأغلبية 419 مقابل 3 في مجلس النواب، و98 مقابل 2 في مجلس الشيوخ.

ولحسن حظ الكثير من دُعاة الحرب بين صفوف الحزبين السياسيين الرئيسيين، فقد وقع الاتفاق مع إيران في أواخر الولاية الثانية لأوباما، ما مهّد الطريق أمام رئيس جديد لإلغائه بسهولة. وفي عام 2018، فعل دونالد ترامب ذلك بالضبط. انسحبت إدارته من الاتفاق بشكل أحادي، وأعادت فرض العقوبات. وفي العام 2019، صنّفت الولايات المتحدة الحرس الثوري الإسلامي، أقوى قوة عسكرية وسياسية في إيران، كمنظمة إرهابية أجنبية. وفي العام التالي صعّد ترامب الموقف دراماتيكياً، وأمر بغارة جوية اغتالت قائد قوة القدس في الحرس الجنرال قاسم سليماني.

وعند تولّي إدارة جو بايدن منصبه في كانون الثاني/يناير 2021، حافظت إلى حد كبير على إطار “الضغط الأقصى” لترامب، وأبقت العقوبات القائمة على حالها، إلى جانب تصنيف ترامب للحرس الثوري الإيراني. وبينما كان بايدن يبحث عن إعادة الانضمام إلى الاتفاق النووي، بعد تولّيه المنصب، طالب بالامتثال الإيراني كمقدمة لتخفيف العقوبات، ما جعل ذلك مستحيلاً فعلياً، نظراً لتزايد عدم ثقة إيران بالولايات المتحدة.

في أواخر عام 2022، وبعد أن سُئل عن الاتفاق النووي من امرأة بدت وكأنها تضع شريطاً على شعرها بألوان علم إيران، قال بايدن بأن “الاتفاق النووي مع إيران ميت”، وأضاف متوجّهاً إلى المرأة، ” أعلم أنهم لا يمثلونك، لكنهم سيملكون سلاحاً نووياً. وبعد عامين، خلص تقييم صادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية إلى أن إيران “اتخذت خطوات تجعلها في وضع أفضل لإنتاج سلاح نووي واحد إذا اختارت ذلك، لكنه كرر أن “مجتمع الاستخبارات ما يزال يقدّر أن إيران لا تصنع سلاحاً نووياً.

ومع ذلك، ففي تشرين الأول/أكتوبر 2024، عندما سُئلت عمّن تعتقد أنه “أعظم خصوم أميركا، أجابت المرشحة الرئاسية الديمقراطية كامالا هاريس، “أعتقد أن هناك اسماً واضحاً يتبادر إلى الذهن، وهو إيران”. وكما فعل ترامب، كررت هاريس الكذبة القائلة إن إيران كانت تسعى إلى امتلاك قنابل نووية، وقالت إن الولايات المتحدة “لن تسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي”. وهي تمسكت مثل ترامب ب “الخيارات جميعها” لمنعها من الحصول على أسلحة نووية، بما في ذلك القوة العسكرية.

وفي عام 2025، صوّتت أغلبية “الديمقراطيين” مع “الجمهوريين” لمنح إدارة ترامب 900 مليار دولار للإنفاق العسكري، وهو ما وفّر تمويلاً لعمليات البنتاغون، وشراء الأسلحة، والنشر الخارجي، وبرامج الجاهزية العسكرية للسنة المالية المقبلة. ففي كل مرحلة تقريباً وضع أعضاء من الحزبين في الكونغرس، إلى جانب الرؤساء الأسس للحرب على إيران.

لقد كذبت إدارة بوش لتبرير غزو العراق، لكن لم يحاسبها أحد. كذلك، وسّعت إدارة أوباما تفويض استخدام القوة العسكرية الصادر في عهد بوش ليشمل القصف بالطائرات المسيرة في 7 دول مختلفة على الأقل، إلى جانب استهداف مواطنين أميركيين متهمين بالإرهاب، ومرة أخرى، لم يحاسبها أحد. وعلى هذه السوابق صعّد ترامب خلال ولايته الأولى، ليس فقط من ضربات أوباما بالطائرات المسيرة، بل أيضاً باغتيال قائد إيراني. ومرة أخرى، لا مساءلة.

لقد موّلت إدارة بايدن تسوية “إسرائيل” لقطاع غزة بالأرض، وحمتها أيضاً من العواقب في الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، ما أظهر بوضوح أن ما يسمى قواعد القانون الدولي لم تكن ذات شأن أبداً، وتطبّق بشكل انتقائي، حيث أصبح التصعيد نفسه أمراً طبيعياً مع مرور الوقت. كما أصبحت الحرب الاقتصادية تخريباً إلكترونياً. وأصبح التخريب الإلكتروني اغتيالات مستهدفة. وما كان يوماً سلطات استثنائية في زمن الحرب أصبح صلاحيات تنفيذية دائمة. وحين دخل ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية، كان الإطار اللازم لحرب أميركا المنتظرة على إيران قائماً بالفعل، وكل ما كان عليه فعله هو الضغط على الزناد فقط.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى