رأي

جامعة الدول العربية.. لماذا لا يشعر المواطن العربي بدورها؟

سلمان الحربي – الجزيرة:

قد يتذكر القمم، والبيانات الختامية، واجتماعات وزراء الخارجية. لكن سيصعب عليه أن يسمي حقا اقتصاديا اكتسبه منها، أو منحة بحثية تقدم إليها، أو وظيفة عبر حدود بلده وصل إليها من خلالها، أو تمويلا حصلت عليه شركته، أو خدمة مشتركة خفضت عليه كلفة التجارة والسفر.

هنا، في ظني، تبدأ أزمة الجامعة الحقيقية: مؤسسة تمثل فضاء يقترب سكانه من نصف مليار إنسان، لكن المواطن لا يكاد يراها في حياته اليومية.

والسؤال يصبح أكثر إلحاحا حين ننظر إلى أوروبا.

بحسب البنك الدولي، بلغ سكان العالم العربي نحو 492.6 مليون نسمة في عام 2024، وبلغ ناتجه المحلي نحو 3.74 تريليونات دولار، فيما قدر معدل البطالة المجمع بنحو 9.2% في عام 2025

حين تتحول المنظمة إلى منفعة
لا يشعر الأوروبي بوجود الاتحاد لأن علمه أزرق فحسب؛ بل لأن جزءا من الاتحاد يصل إلى جيبه وجامعته وشركته ووظيفته.

السوق الأوروبية الموحدة تضم قرابة 450 مليون نسمة و23 مليون شركة واقتصادا يناهز 17 تريليون يورو (نحو 18.4 تريليون دولار). يستطيع مواطن الاتحاد البحث عن عمل في دولة عضو أخرى والعمل فيها من دون تصريح عمل، مع قواعد للتنسيق في الضمان الاجتماعي والاعتراف ببعض المؤهلات المهنية، وتساعده شبكة يوريس (EURES) في الوصول إلى الوظائف العابرة للحدود.

أما الطالب، فخلفه برنامج “إيراسموس+” بميزانية تتجاوز 26 مليار يورو (نحو 28 مليار دولار) للفترة 2021-2027. والباحث أمامه “هورايزن أوروبا” بنحو 95.5 مليار يورو (نحو 103 ملايين دولار). والشركة التقنية الناشئة تستطيع، إن اجتازت المنافسة، الحصول عبر “مجلس الابتكار الأوروبي” على منحة تقل عن 2.5 مليون يورو (نحو 2.7 مليون دولار)، مع استثمار قد يصل إلى 10 ملايين يورو (نحو 10.8 ملايين دولار). وهناك “إنفست إي يو” (InvestEU) الذي يستهدف تعبئة استثمارات تتجاوز 372 مليار يورو (نحو 402 مليار دولار) اعتمادا على ضمان أوروبي قدره 26.2 مليار يورو (نحو 28.3 مليار دولار).

إعلان
والأهم أن المال لا يبقى خبرا حكوميا بعيدا؛ فالاتحاد أنشأ بوابات موحدة للتمويل والمناقصات، وفي عام 2025 قالت المفوضية إن بوابة التمويل الأوروبية تتيح سنويا فرصا تتجاوز 38 مليار يورو (نحو 41 مليار دولار)، ولها أكثر من مليوني مستخدم مسجل ونحو 300 ألف زائر أسبوعيا. التقديم ليس سهلا دائما، والمنافسة صارمة، لكنه مرئي، مؤسسي، قابل للوصول والقياس. وهذا هو الفارق الذي يستحق أن نتعلم منه.

لدينا نصف مليار عربي.. فأين السوق؟
بحسب البنك الدولي، بلغ سكان العالم العربي نحو 492.6 مليون نسمة في عام 2024، وبلغ ناتجه المحلي نحو 3.74 تريليونات دولار، فيما قدر معدل البطالة المجمع بنحو 9.2% في عام 2025.

وهذه ليست سوقا صغيرة. لكن التجارة السلعية العربية البينية، رغم تجاوز متوسطها 250 مليار دولار في عام 2024، لم تمثل إلا قرابة 9% من إجمالي تجارة الدول العربية، وتركز أكثر من 88% منها في دول الخليج ومصر والعراق.

أي أننا نملك الجغرافيا واللغة ورأس المال والموانئ والطاقة ومئات الملايين من المستهلكين، ثم نعجز عن تحويل مجموع هذه المزايا إلى اقتصاد شبكة عربية.

وهنا لا ينبغي ظلم المؤسسات العربية القائمة. فالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي أعلن في عام 2026 أنه مول خلال خمسة عقود أكثر من 618 مشروعا تنمويا بقروض بلغت نحو 37.3 مليار دولار. وبرنامجه المخصص للمشروعات الصغيرة والمتوسطة أفاد -حتى سبتمبر/أيلول 2023- بتمويل أكثر من 116 ألف مشروع والمساهمة في خلق أكثر من 537 ألف وظيفة. كما أن منصة “بنى” التابعة لصندوق النقد العربي باتت بنية حقيقية للمدفوعات العابرة للحدود، ووصلت إلى 100 مؤسسة مشاركة، وتتعامل بعملات عربية ودولية.

إذن، فالقضية ليست انعدام المؤسسات. القضية أن المواطن العربي يعيش أمام أرخبيل من المؤسسات، لا أمام منظومة عربية واحدة للفرص.

لو أن الدول العربية أنشأت -خارج ميزانية الأمانة العامة الإدارية- صندوقا عربيا مشتركا للفرص والتكامل يعادل فقط 0.1% من الناتج العربي، فإن حجم الصندوق، على أساس ناتج عام 2024، سيبلغ نحو 3.74 مليارات دولار سنويا

العلم يكشف الفجوة
في البحث العلمي تظهر الصورة أشد وضوحا.

تشير “الإسكوا” إلى أن الإنفاق العربي على البحث والتطوير دار حول 0.61% من الناتج المحلي في عام 2021، مقابل متوسط عالمي بلغ نحو 1.9%. أما الاتحاد الأوروبي فأنفق في عام 2024 نحو 403 مليارات يورو (نحو 435 مليار دولار) على البحث والتطوير، بما يعادل 2.2% من ناتجه.

المشكلة ليست في غياب الباحث العربي؛ بل في أن باحثا في الرياض، وآخر في الرباط، وثالثا في القاهرة، قد يعملون على مشكلات الماء والطاقة والزراعة والدواء نفسها، داخل نظم تمويل ومختبرات وقواعد بيانات منفصلة.

ماذا لو كانت لدينا “منطقة بحث عربية” حقيقية؟ بوابة واحدة، مسابقات تنافسية، مختبرات مشتركة، منح انتقال للباحثين، تمويل من الفكرة إلى البراءة ثم الشركة؛ بحيث لا يبقى البحث العربي أوراقا منشورة، بل يتحول إلى سلسلة قيمة معرفية.

ماذا لو استثمرنا عشر الواحد بالمئة؟
هنا يمكن نقل النقاش من الأمنيات إلى دراسة جدوى أولية.

لو أن الدول العربية أنشأت -خارج ميزانية الأمانة العامة الإدارية- صندوقا عربيا مشتركا للفرص والتكامل يعادل فقط 0.1% من الناتج العربي، فإن حجم الصندوق، على أساس ناتج عام 2024، سيبلغ نحو 3.74 مليارات دولار سنويا، أو أكثر من 26 مليار دولار خلال سبع سنوات.

إعلان
للمقارنة في الحجم فقط: قال الأمين العام أحمد أبو الغيط عام 2023 إن ميزانية الجامعة نفسها لا تتجاوز نحو 60 مليون دولار سنويا. أي إننا لا نتحدث عن إصلاح رواتب الأمانة العامة، بل عن إنشاء ذراع استثماري مختلف تماما.

ويمكن افتراضيا توزيع مبلغ 3.74 مليارات دولار هكذا: 30% للبحث والابتكار، و25% لتمويل وضمان الشركات الصغيرة، و20% للتدريب والتنقل المهني والعلمي، و15% للربط التجاري والرقمي والمدفوعات، و10% للبيانات والحوكمة وقياس التنفيذ.

وهذا كله بعشر نقطة مئوية واحدة من اقتصاد المنطقة.

لن يصنع ذلك اتحادا عربيا غدا، لكنه قد يصنع شيئا أهم للمواطن، وهو ببساطة: فرصة.

بعد 81 عاما، لا ينبغي أن يكون إصلاح جامعة الدول العربية سؤالا عن تعديل الهيكل الإداري وحده، وإنما عن إعادة تعريف المنتج الذي تقدمه للعربي

من الجامعة إلى “منصة العرب”
تخيل شابا في الأردن يدخل منصة عربية واحدة فيجد وظيفة في السعودية، ومنحة دراسات في الإمارات، ومختبرا شريكا في مصر، ومسرعة أعمال في قطر، ومناقصة في المغرب.

وتدخل شركة تونسية فترى فرص التمويل والضمان والتوريد في الدول المشاركة بحساب واحد.

ويقدم فريق بحثي من ثلاث جامعات عربية على منحة مشتركة بدلا من البحث عن ممول أجنبي للمشكلة العربية ذاتها.

وتلك ليست أحلاما تقنية مستحيلة؛ أوروبا فعلت أشكالا منها، ولدينا عربيا اللبنات الأولية: صندوق إنمائي، وصندوق نقد، و”بنى” للمدفوعات، ومنطقة تجارة حرة، ومؤسسات متخصصة. ما ينقص هو تركيب الأجزاء في تجربة واحدة يراها الإنسان.

واللافت أن ميثاق الجامعة نفسه يفتح الباب؛ فالمادة التاسعة تسمح للدول الراغبة في تعاون أوثق بأن تعقد اتفاقيات بينها. فلا ضرورة لانتظار اتفاق 22 دولة على كل خطوة. تستطيع مجموعة راغبة أن تبدأ، ثم تلتحق بها الدول حين تثبت المنفعة نفسها.

الجامعة التي يشعر بها الناس
بعد 81 عاما، لا ينبغي أن يكون إصلاح جامعة الدول العربية سؤالا عن تعديل الهيكل الإداري وحده، وإنما عن إعادة تعريف المنتج الذي تقدمه للعربي.

نريد أن يعرف الباحث أين يحصل على التمويل، وصاحب الشركة أين يعبر إلى السوق، والعاطل أين يجد الفرصة، والمستثمر أين تحمى أمواله، والدولة أين تجد القوة التفاوضية التي يمنحها السوق الكبير.

حينها تصبح الجامعة رافعة اقتصادية للسيادة السياسية؛ فالدول التي تتشابك أسواقها ومختبراتها وشركاتها ومدفوعاتها ومصالح مواطنيها تصبح قدرتها الجماعية على التفاوض وحماية مصالحها أثقل.

في أوروبا، لم يبن الاتحاد بالشعر السياسي، بل تراكمت حول المواطن حقوق ومصالح ومؤسسات وأموال حتى أصبح تفكيك التكامل نفسه مكلفا.

وهنا يكمن الدرس. جامعة الدول العربية لن تصبح أقوى بكثرة بياناتها، بل حين يصبح لغيابها ثمن يشعر به المواطن.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى