تيك توك بين واشنطن وبكين: الرقمنة كساحة صراع استراتيجي

كتب د. أحمد قنديل في صحيفة بوابة الاهرام.
لم يعد العالم كما كان قبل عقدين أو ثلاثة. الصراعات بين القوى الكبرى لم تعد مقتصرة على الأراضي أو البحار، ولم تعد القوة العسكرية وحدها هي التي تحدد مواقع النفوذ. اليوم، باتت البيانات الرقمية والخوارزميات أحد أهم أدوات القوة، وأحد أبرز ميادين الصراع بين الولايات المتحدة والصين.
وفي قلب هذا الصراع يظهر تطبيق تيك توك، الذي تحول من مجرد منصة لمقاطع الفيديو القصيرة إلى رمز للنفوذ الرقمي والتحكم بالمعلومات.
في 20 سبتمبر 2025، جاء إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بعد مكالمة هاتفية طويلة مع الرئيس الصيني، ليطمئن بكين بأن مصالحها في تطبيق تيك توك لن تتعرض للتهديد المباشر.
وقال ترامب إن المستثمرين الأمريكيين سيكونون قادرين على شراء التطبيق، مع الحفاظ على السيطرة على الخوارزميات وإدارة البيانات، وأضاف “أن هؤلاء المستثمرين أذكياء ومحبون لبلادهم”، في إشارة واضحة إلى حرص واشنطن على الجمع بين حماية الأمن القومي وخصوصية المواطنين، وبين السماح للتكنولوجيا الصينية بالاستمرار في الأسواق الأمريكية.
وعلى الجانب الآخر، أكدت وزارة التجارة الصينية موقف بكين، داعية إلى توفير بيئة أعمال عادلة ومنفتحة، وداعمة للحلول القائمة على قواعد السوق التي تراعي مصالح الشركات الصينية، بما فيها تيك توك.
هذه التصريحات ليست مجرد شعارات دبلوماسية، بل تعكس إستراتيجية صينية ثابتة: حماية مصالحها الاقتصادية في الخارج، والحفاظ على صورة الدولة كجهة مسئولة أمام الداخل والخارج، دون الانجرار إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة، القوة التي لا يمكن تجاهلها هيمنتها على الساحة الدولية.
لكن جوهر هذه الأزمة لم يكن في الملكية أو الأرباح، بل في الخوارزميات نفسها، التي تحدد للمستخدمين ما يرونه، وتصبح أداة تأثير قوية على الرأي العام، وعلى الثقافة الرقمية، وربما على المشهد السياسي في أي مجتمع يستخدم هذا التطبيق.
ومن هنا جاء الحرص الأمريكي على وضع البيانات تحت إدارة شركة أوراكل، مع سيطرة أمريكية على ستة من أصل سبعة مقاعد في المجلس الإداري، لضمان الرقابة على المعلومات وحماية الأمن القومي.
إذا نظرنا إلى هذا الملف من منظور أوسع، نجد أنه يمثل نموذجًا مصغرًا للصراع الأمريكي الصيني على التكنولوجيا والبيانات، وهو صراع ليس محصورًا في التطبيقات وحدها، بل يمتد إلى الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والتحكم في المعلومات الرقمية.
وفي هذا الصراع الجديد، لم تعد القوة العسكرية أو الاقتصاد وحدهما كافيين، بل أصبحت القدرة على السيطرة على المعلومات الرقمية أداة قوة إستراتيجية، ربما أكثر تأثيرًا من بعض أدوات النفوذ التقليدية.
من زاوية دبلوماسية، تكشف تصريحات ترامب عن تعامله مع الرئيس الصيني “كرجل نبيل” عن إدراك أمريكي بأن الأزمة تحتاج إلى إدارة حذرة، بعيدًا عن التصعيد المباشر، وهي رسالة ضمنية عن أهمية المرونة الدبلوماسية في التعامل مع الصين، التي لطالما اعتمدت على التفاوض الحذر والتدرج في حماية مصالحها، مع تجنب المواجهة المباشرة إلا إذا كانت مصالحها العليا مهددة.
ملف تيك توك يظهر بوضوح أن الصراع المستقبلي بين القوى الكبرى لن يكون فقط على الأرض أو في الأسواق التقليدية، بل في الشبكات الرقمية وخوارزميات المعلومات، وأن كل خطوة في هذا المجال تحمل انعكاسات إستراتيجية بعيدة المدى.
في النهاية، يظل الدرس الأساسي من هذه الأزمة هو أن حماية مصالح الوطن في عصر الرقمنة تتطلب دمج الدبلوماسية مع السيطرة التقنية، والتوازن بين الحرص على السوق المفتوح من جهة، وضمان الأمن القومي وخصوصية المواطنين من جهة أخرى.
وهذا هو جوهر الصراع الأمريكي الصيني في القرن الحادي والعشرين: السيطرة على المعلومات قبل السيطرة على الأراضي، والتحكم بالعقول قبل التحكم بالموارد.
تظهر أزمة تيك توك بين الصين والولايات المتحدة أيضا بوضوح أن الصراعات المستقبلية بين القوى الكبرى سوف تكون على الشبكات الرقمية والخوارزميات، حيث تتلاقى مصالح الأمن القومي، والاقتصاد، والسياسة في ساحة واحدة.
وتتطلب إدارة هذا الملف بنجاح مزيجًا من الدبلوماسية الحذرة، والرقابة التقنية الصارمة، والحفاظ على مصالح كلا الطرفين، بعيدًا عن التوترات التي قد تؤدي إلى عواقب لا تحمد عقباها على الساحة الدولية.
وبالنسبة لنا في مصر، تظل أهمية متابعة هذا الملف واضحة على أكثر من مستوى: أولًا، لأن مصر أصبحت جزءًا من المشهد الرقمي العالمي، وتطبيقات مثل تيك توك تؤثر على سلوك الشباب وثقافتهم الرقمية، بما يستدعي وعيًا وحوكمة واضحة.
ومن ناحية ثانية، سيحدد الصراع الأمريكي الصيني على التكنولوجيا مستقبل الابتكار الرقمي والفرص الاقتصادية في العالم، وما يحدث هناك قد يؤثر على الاستثمار والتقنيات المتاحة في مصر.
وأخيرا، سوف يساعد فهم ديناميات النفوذ الرقمي في العالم، خاصة بين واشنطن وبكين، صناع القرار في القاهرة على وضع سياسات توازن بين الانفتاح التكنولوجي وحماية الأمن القومي والثقافة الوطنية، وهو درس أساسي لأي دولة تسعى للمشاركة الفاعلة في العالم الرقمي الحديث.




