تهديدات ترامب لإيران تنم عن جهل تاريخي

يبدو أن إيران مستعدة لمواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، ولا يوجد حل عسكري لهذا النزاع، والحل هو في إطار دبلوماسي.
أمين صيقال وأميتاف أشاريا – scmp:
إن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران منذ بدء الحرب لم تستهدف القدرات العسكرية للبلاد فحسب، بل استهدفت حضارة بأكملها. كذلك، هدد ترامب إيران “ستباد من على وجه الأرض” إذا هاجمت السفن الأميركية التي تحاول إعادة فتح مضيق هرمز، بينما كان قد تعهد سابقاً بإعادة إيران إلى “العصر الحجري”، وأشار إلى أن “حضارةً بأكملها ستقتل الليلة، ولن تعود أبداً”.
لا تظهر هذه التصريحات عدوانية شديدة فحسب، بقدر ما تكشف افتقار ترامب التام لفهم ثقافة إيران وحضارتها العريقة الحيوية وقوة شعبها. فلقد تعرضت إيران للكثير من الصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية، لكنها لم تستعمر أو تستعبد قط.
وفي كل لحظة عصيبة من تاريخها، ناضل الإيرانيون للحفاظ على ما هو ملكهم. ومنذ الحروب اليونانية الفارسية خلال نصف قرن من 449 إلى 499 قبل الميلاد، كانت بلاد فارس بمنزلة “الآخر”، أي العدو المطلق للغرب بوصفه، “الشرير الشرقي المظلم والمستبد الذي يهدد الغرب المستنير”. كل هذا بينما بلاد فارس ساعدت اليهود المنفيين في بابل على العودة إلى القدس لإعادة بناء هيكلهم في عام 538 قبل الميلاد، مظهرةً تسامحها مع التنوع في أول إمبراطورية متعددة الثقافات في العالم.
تعتبر انتصارات تحالف المدن اليونانية على القوات الإمبراطورية الفارسية الأخمينية في سلاميس في 480، وماراثون في 490 قبل الميلاد محوريةً في تاريخ الحضارة الغربية، بينما لم تكن سوى انتكاسة طفيفة لبلاد فارس. ففي الحقيقة، استمرت فارس في أداء دور حاسم في الشؤون اليونانية. فقد ساعد الذهب الفارسي إسبرطة على هزيمة أثينا في (الحرب البيلوبونيسية بين 404 و431 قبل الميلاد)، وكثيراً ما كانت فارس الوسيط الأهم في الشؤون اليونانية.
بعد ذلك قامت الإمبراطوريتان البارسية والساسانية اللتان أعقبتا الأخمينيين في بلاد فارس بتحدي روما. وعام 260 بعد الميلاد، أسر الإمبراطور الساساني شابور الأول الإمبراطور الروماني فاليريان خلال إحدى المعارك في عمل غير مسبوق.
وبعد قرن من الزمن، صد جيش شابور الثاني محاولة غزو قادها الإمبراطور جوليان، وقتله في الحرب. مع ذلك، تميل الروايات الغربية المنتصرة إلى نسيان أن بلاد فارس أذلت على نحو متكرر أعظم إمبراطورية غربية في العصور القديمة. وحين غزا الإسكندر الأكبر بلاد فارس عسكرياً، تبنى الثقافة الفارسية التي استمرت تأثيراتها بعد زوال النفوذ اليوناني في المنطقة.
لم يؤدِ دخول الإسلام إلى فارس إلى إخماد حضارة البلاد، فلقد حافظ القادة المسلمون على اللغة والثقافة الفارسية، وأبقوا على الاحتفالات التي سبقت الإسلام مثل عيد النيروز (رأس السنة الفارسية) الذي يعود تاريخه إلى 3000 عام، وقاموا بتكييف المفاهيم الزرادشتية مع تركيز الإسلام الشيعي على مقاومة الطغيان.
اقرأ أيضاً: الحضارة في مواجهة الغطرسة.. حين تتوعّد القوةُ العمياء أمةً من صُنّاع العقل الإنساني (1 / 2)
كما أدت الغزوات المتعددة للمغول بين عامي 1219 و1258 إلى تدمير إيران، ومع ذلك نجت عناصر أساسية من حضارة البلاد، ثم ازدهرت القوة الفارسية مرة أخرى، وخصوصاً في ظل السلالة الصفوية بين 1501 و1736. وخلال عهد السلالة القاجارية من 1789 إلى 1925، تعرضت بلاد فارس لضغوط من التنافس الأنجلو-روسي في عصر “اللعبة الكبرى”، لكنها لم تخضع.
وخلال الحرب العالمية الثانية، احتلت بريطانيا جنوب إيران الغني بالنفط، بينما احتلت القوات السوفياتية شمالها. ومع ذلك، تعهدت كلتا القوتين، إلى جانب الولايات المتحدة، باحترام سيادة إيران والانسحاب في نهاية الحرب، فقد أدت هذه الأحداث إلى إحياء الروح القومية الإيرانية، وحفزت حركة لتحرير إيران من التنافس التقليدي بين القوى الكبرى، والسيطرة على مواردها الخاصة، وتعلق الأمر بشكل خاص بالنفط، حين كانت بريطانيا تسيطر على الاحتياطيات الإيرانية من خلال شركة النفط الأنجلو-إيرانية منذ مطلع القرن 19.
وعام 1951، انتخب محمد مصدق القومي الإصلاحي المخضرم رئيساً للوزراء، في الوقت الذي كان مجلس النواب الإيراني يؤمم شركة النفط الإيرانية، ما أدى إلى اندلاع نزاع كبير بين طهران ولندن. كما سعى مصدق إلى الحد من سلطة النظام الملكي في إيران لمصلحة الإصلاحات الديمقراطية، ما تسبب بصراع مع محمد رضا شاه الشاب الموالي للغرب، والذي كان لا يزال الملك الحاكم للبلاد.
عام 1953، أجبر الشاه على المنفى، ثم عاد إلى العرش بعد أيام قليلة إثر إطاحة مصدق في عملية سرية نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بمساعدة جهاز الاستخبارات البريطاني “إم 16” في العام ذاته.
اقرأ أيضاً: من الملك شابور إلى الحاضر.. الحضارة جزء من الأمن القومي الإيراني
وبعد 50 عاماً، أقر الرئيس الأميركي باراك أوباما بدور وكالة الاستخبارات المركزية في ذلك الانقلاب؛ فقد دعمت الولايات المتحدة الشاه باعتباره ركيزة للهيمنة الأميركية في “الشرق الأوسط”.
في المقابل، حصلت شركات النفط الأميركية على حصة 40% من صناعة النفط الإيرانية، مع أن الشاه استطاع تحويل علاقته القائمة على التبعية مع الولايات المتحدة إلى علاقة تكاملية، حيث كانت إيران لاعباً محورياً في المنطقة، وفي منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”.
وفي أعقاب أزمة الطاقة التي وقعت بين عامي 1973 و1974، حذر وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر من أن الولايات المتحدة سترد بقوة إذا “خنقت” أو خفضت إمدادات النفط، في رسالة مبطنة للشاه.
مع ذلك، أدت الثورة الإيرانية في 1978 و1979 إلى إطاحة الشاه، ما مكن خصمه الديني والسياسي الرئيسي آية الله روح الله الخميني من تولي السلطة، وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، متخذاً موقفاً مناهضاً للولايات المتحدة و”إسرائيل”.
لقد أسس الإمام الخميني الحكم بشكل أساسي على الفخر التاريخي الذي حافظ عليه الإيرانيون كشعب مسؤول عن مصيره. كذلك، سعى خليفة الإمام آية الله علي خامنئي إلى ترسيخ الإسلام السياسي الشيعي كمرشد أيديولوجي وأساس شرعي للدولة، لكنهما سعيا إلى مزج ذلك مع شعور الإيرانيين بهويتهم الحضارية والثقافية والقومية، لا سيما في مواجهة العدوان الخارجي.
قال الشاعر الفارسي الشهير أبو القاسم الفردوسي (940-1020): “إيران أرضي، والعالم كله تحت قدمي. أهل هذه الأرض يملكون الفضيلة والفن والشجاعة. لا يخشون زئير الأسود”.
ومع استمرار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، يبدو أن النظام مستعد لمواجهة طويلة الأمد، بينما لا يوجد حل عسكري لهذا النزاع، والحل هو في إطار دبلوماسي يقوم على الاحترام والثقة المتبادلين كسبيل أمثل للمضي قدماً.
بغير ذلك قد تبقى المنطقة والعالم رهينتين لأزمة طاقة واقتصاد كان من الممكن حلها عبر المفاوضات، لا الحرب. أما بالنسبة إلى مستقبل الحكومة الإسلامية، فيجب أن يحدده الشعب الإيراني.




