رأي

ترمب وأوروبا.. هل تدفع سياساته القارة إلى الاستقلال عن أمريكا؟

عوض النقر بابكر محمد – الجزيرة:

لم تعد الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا في عهد دونالد ترمب مجرد خلافات حول التجارة أو حجم الإنفاق الدفاعي. ما يتغير اليوم أعمق من ذلك: إنها الثقة التي قامت عليها العلاقة عبر الأطلسي لعقود، والسؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستظل الضامن الرئيسي لأمن أوروبا وشريكها الاقتصادي والإستراتيجي.

فخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين، من الرسوم الجمركية والملفات التجارية إلى المطالبة بتحمل الأوروبيين مسؤولية أكبر عن أمنهم. وفي أغسطس/آب 2026، تجري وزارة الدفاع الأمريكية مراجعة واسعة للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وسط مخاوف أوروبية من احتمال خفض القوات الأمريكية المنتشرة في القارة.

قد يرى البعض أن ما يفعله ترمب ليس سوى محاولة لإجبار أوروبا على دفع تكلفة أكبر للدفاع عن نفسها، وهو مطلب أمريكي قديم. لكن المشكلة ليست في مطالبة الأوروبيين بزيادة الإنفاق الدفاعي، وإنما في الطريقة التي تتم بها إدارة العلاقة: لغة التهديد والرسوم والضغط السياسي تجعل الحليف يشعر أحيانا بأنه يتعامل مع شريك تجاري مشروط أكثر من تعامله مع حليف إستراتيجي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

إذا نجحت أوروبا في بناء قوة دفاعية أكبر، فقد تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها والتعامل مع الأزمات من دون انتظار واشنطن

فالعلاقات الدولية لا تقوم على المصالح وحدها، بل على الثقة في استمرار الالتزامات. وإذا بدأت الدول الأوروبية تشك في مستقبل الالتزام الأمريكي بأمنها، فإنها ستضطر إلى التفكير في بدائل، ليس فقط عسكريا، وإنما اقتصاديا وسياسيا أيضا.

وقد بدأت ملامح هذا التحول بالفعل. فالنقاش الأوروبي لم يعد يدور فقط حول كيفية إقناع واشنطن بالبقاء كما كانت في أوروبا، وإنما حول كيفية بناء قدرة أوروبية أكبر على الدفاع عن القارة. وتذهب تحليلات إستراتيجية إلى أن تصور إدارة ترمب لما يسمى «الناتو 3.0» يقوم على تقليل الالتزام العسكري الأمريكي المباشر في أوروبا، مقابل تحمل الحلفاء الأوروبيين مسؤولية أكبر عن الدفاع التقليدي للقارة.

إعلان

وهذا يقود إلى مفارقة مهمة: قد يكون ترمب، من حيث لا يريد، أحد العوامل التي تدفع أوروبا إلى الاستقلال الإستراتيجي عن الولايات المتحدة. لكن هل سيكون ذلك في مصلحة العالم؟ ليس بالضرورة.

فإذا نجحت أوروبا في بناء قوة دفاعية أكبر، فقد تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها والتعامل مع الأزمات من دون انتظار واشنطن. وهذا قد يكون تطورا إيجابيا على المدى الطويل. لكن الانتقال من نظام أمني تقوده الولايات المتحدة إلى نظام أوروبي أكثر استقلالا لن يكون سهلا، خصوصا في ظل الحرب الروسية والمنافسة الدولية المتصاعدة.

الأخطر هو أن المرحلة الانتقالية قد تخلق فراغا إستراتيجيا. فإذا تراجع الوجود الأمريكي بسرعة أكبر من قدرة أوروبا على بناء قدراتها، فإن الردع الغربي قد يضعف مؤقتا، وهو ما قد يغري خصوم الغرب باختبار حدود هذا الضعف. وقد حذر معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية من أن تقليص الوجود الأمريكي في أوروبا يمكن أن يخلق فجوات في الردع قبل أن يتمكن الأوروبيون من تحمل المسؤولية كاملة.

ولا يقتصر الأمر على الأمن. فالخلاف الأمريكي الأوروبي يحمل تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي. عندما تستخدم أكبر قوتين اقتصاديتين غربيتين الرسوم الجمركية والمفاوضات الثنائية للضغط على بعضهما، فإن قواعد التجارة الدولية نفسها تتعرض للاهتزاز. وقد وصفت دراسة اقتصادية حديثة المرحلة بأنها انتقال من نظام تجاري تحكمه قواعد متعددة الأطراف إلى بيئة تلعب فيها علاقات القوة الثنائية دورا أكبر.

وهنا تظهر النتيجة الأوسع: العالم قد يتجه إلى تقليل اعتماده على الولايات المتحدة.

إن القضية ليست في شخص ترمب وحده، ولا في خلاف عابر بين رئيس أمريكي وعواصم أوروبية. القضية تتعلق بمستقبل نظام دولي كامل

فالدول التي كانت تعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية ستسعى إلى تنويع خياراتها، والدول التي تعتمد اقتصاديا على السوق الأمريكية ستبحث عن أسواق أخرى، بينما ستزداد أهمية الصين والهند والقوى الإقليمية الأخرى. وقد ذهب بعض المحللين إلى أن سياسات ترمب قد تساهم في دفع العالم بالفعل نحو نظام أقل اعتمادا على واشنطن.

أما بالنسبة للعالم العربي، فإن هذه التحولات تحمل فرصا ومخاطر في الوقت نفسه. فتعدد مراكز القوة قد يمنح الدول العربية مساحة أكبر للمناورة وتنويع الشراكات بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين وغيرها. لكنه قد يجعل النظام الدولي أكثر تعقيدا وأقل قدرة على الوصول إلى توافقات سريعة بشأن أزمات الشرق الأوسط.

لذلك، فإن القضية ليست في شخص ترمب وحده، ولا في خلاف عابر بين رئيس أمريكي وعواصم أوروبية. القضية تتعلق بمستقبل نظام دولي كامل.

قد ينجح ترمب في دفع أوروبا إلى إنفاق المزيد على دفاعها، وهذا هدف طالما طالب به رؤساء أمريكيون سابقون. لكنه إذا دفع الأوروبيين أيضا إلى فقدان الثقة بواشنطن والبحث عن بدائل إستراتيجية واقتصادية، فقد تكون النتيجة أكبر بكثير مما أراده.

فالسؤال الذي سيحدد شكل السنوات المقبلة ليس: هل تستطيع أوروبا العيش من دون أمريكا؟

بل: هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على نفوذها العالمي إذا بدأ حلفاؤها في بناء عالم يستطيع العيش من دونها؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى