ترامب يحسم “الغموض الاستراتيجي” بشأن تايوان

جايمس كرابتري – مجلة “فورين بوليسي” الأميركية:
في السابق، لم يكن واضحاً كيف ستدافع واشنطن عن تايبيه؛ أما اليوم، فقد بات تقديم المساعدة لها أمراً مشكوكاً فيه.
من المقرر أن يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينغ بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في الـ 24 من أيلول/ سبتمبر لعقد ثاني قمة تجمعهما هذا العام. ومن المرجح أن يثير هذا اللقاء حالة من القلق المعهود، سواء في تايبيه أم في أوساط الخبراء الأميركيين المعنيين بالسياسة تجاه الصين؛ إذ يخشى هؤلاء المراقبون أن تؤدي نزعة ترامب لعقد الصفقات وعدم اهتمامه بالاستراتيجية إلى تقديم تنازلات تمس أمن تايوان كجزء من جولة جديدة من المساومات السياسية مع بكين.
ومع ذلك، وحتى لو بقيت السياسة الأميركية تجاه تايوان من دون أي تغيير رسمي، فثمة قلق أعمق ينبغي أن يلوح خلف هذه المخاوف المباشرة؛ إذ يبدو أن سياسة “الغموض الاستراتيجي” التي انتهجتها واشنطن طويلاً بشأن تدخلها في أي صراع يتعلق بتايوان تتجه تدريجياً نحو موقف جديد يتسم بدعم أضعف. وهذا التلاشي التدريجي للغموض الاستراتيجي ينطوي بدوره على خطر وقوع الصين في حسابات خاطئة، ما يضفي حالة جديدة من عدم الاستقرار على توازن إقليمي يتسم أصلاً بالتعقيد والخطورة.
وستكون القمة المرتقبة مختلفة عن آخر قمة جمعت بين الرجلين في شهر أيار/مايو؛ ففي ذلك الوقت، استغرق التوصل إلى اتفاق تجاري أولي الجزء الأكبر من جدول أعمالهما. أما الآن، وبعد إنجاز تلك المهمة، فستركز القمة التالية على إدارة ما وصفه الجانبان بـ”الاستقرار الاستراتيجي البنّاء”، وهي علاقة جرى الاتفاق على ملامحها الأساسية – ولو ظاهرياً على الأقل.
ولم تُطرح قضية تايوان إلا لماماً خلال الاجتماع السابق في بكين، ومع ذلك، ساورت المخاوفُ صقور السياسة الأميركية المناهضين للصين آنذاك، إذ خشوا أن يكون ترامب قد تبنى -بطريقة ما- طريقة تفكير الرئيس شي. وفي مقابلة أُجريت معه على متن الطائرة أثناء رحلة العودة إلى الوطن، أشار الرئيس الأميركي إلى أن نظيره الصيني “يولي اهتماماً بالغاً” بمسألة تايوان، مضيفاً أن “آخر ما نحتاجه في الوقت الراهن هو حرب تدور رحاها على بُعد 9500 ميل”.
فقد تم تطوير الإطار العام لسياسة “الغموض الاستراتيجي” خصيصاً لتجنب نشوب مثل هذه الحرب. وقد صُمّم هذا الإطار في أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لتكون جزءاً من مجموعة أوسع من التفاهمات التي أعقبت اعتراف واشنطن الدبلوماسي ببيجين، ولتشكل ركيزة أساسية للعلاقات الأميركية – الصينية اللاحقة. وتتلخص هذه السياسة، في أبسط صورها، في أن تتجنب الولايات المتحدة تقديم إجابة قاطعة بشأن ما إذا كانت ستتدخل عسكرياً في حال شنّت الصين هجوماً على تايوان، ما يُبقي كلا الطرفين في حالة من الترقب والتكهن.
وقد كان لهذا الغموض هدفان مزدوجان؛ فمن الناحية الأكثر وضوحاً، سعى إلى ردع الصين عن الاستيلاء على الجزيرة بالقوة. وفي الوقت نفسه، عمل على كبح تايوان عن اتخاذ خطوات استفزازية من جانبها، وذلك عبر الامتناع عن منح تايبيه تفويضاً دبلوماسياً غير مشروط في حال اندلاع أي صراع.
وبغضّ النظر عن مزايا تلك السياسة عند وضعها لأول مرة، فقد وُلدت في حقبة مختلفة تماماً، كانت فيها الولايات المتحدة أقوى بكثير مقارنةً بالصين. ولطالما حذر النقّاد المتشددون بأنها لم تعد كافية لردع جيش صيني بات أكثر قدرة وثقة بالنفس؛ وكتب ريتشارد هاس، الذي كان يشغل آنذاك منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية، مقالاً مؤثراً عام 2020 دعا فيه إلى تبني سياسة جديدة تقوم على “الوضوح الاستراتيجي”، لتوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن واشنطن ستهرع بالفعل لنجدة تايبيه.
كما أرسل الرئيس السابق جو بايدن إشارات تصب في هذا الاتجاه؛ بحيث كان يصرّح علناً في كثير من الأحيان أن الولايات المتحدة ستدعم تايوان بالفعل، حتى مع بقاء السياسة الرسمية على حالها. أما اليوم، فيكمن الخطر في اتجاه مغاير؛ إذ توحي تصريحات ترامب وما يمليه عليه حدسه -سواء كان ذلك متعمّداً أم لا- بأن الولايات المتحدة تقترب تدريجياً من تبني موقف عدم التدخل.
ويرجع ذلك جزئياً إلى أن ترامب نفسه لا يولي تايوان اهتماماً يُذكر؛ فهو يعامل الجزيرة بقدر من الريبة لا يُوجَّه عادةً إلا لحلفاء الولايات المتحدة الذين يستغلون التحالف من دون تقديم مقابل عادل. كما أنه يلمّح إلى أن الحكومة التايوانية قد “سرقت” صناعة أشباه الموصلات الأميركية. وفي الوقت نفسه، يظهر ترامب قلة صبر تجاه هذا النوع من الحجج الجيواستراتيجية المتعلقة بالدفاع عن “سلسلة الجزر الأولى”، وهي الحجج التي لطالما شغلت بال الخبراء والمختصين بالشأن الصيني في واشنطن. فقد صرّح عقب اجتماعه في شهر أيار/ مايو قائلاً: “هل يُفترض بنا أن نقطع مسافة 9500 ميل لخوض حرب؟ أنا لا أسعى لذلك”.
وفي أعقاب تلك التصريحات وغيرها مما يصب في السياق ذاته، يساور القلق العديد من المراقبين من أن “مبدأ الاستقرار البنّاء” الجديد قد يمنح بكين فعلياً حق النقض (الفيتو) تجاه أي إجراء قد تعتبره مزعزعاً للاستقرار، ولا سيما صفقات بيع الأسلحة المستقبلية. وعلى الرغم من أن ترامب كان قد أعلن العام الفائت عن حزمة دفاعية قياسية لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، إلا أن صفقة أخرى بقيمة 14 مليار دولار لا تزال معلقة وتنتظر موافقة الإدارة. وقد صرّح ترامب صراحة بأنه ينظر إلى حزم الأسلحة هذه باعتبارها أوراق مساومة في المفاوضات مع بكين، وهو ما يمثل تحولاً لافتاً عن الممارسة الأميركية السابقة التي كانت تفصل ملف الدفاع عن تايوان عن السياسة الأوسع تجاه الصين. ومن الناحية الدبلوماسية، أوجد ترامب رابطاً بين سياسات كانت الإدارات السابقة، بما في ذلك إدارته الأولى، قد حرصت عمداً على إبقائها منفصلة ومستقلة بعضها عن بعض.
تنسجم نزعات ترامب مع التوجهات الفكرية السائدة داخل دائرته المقرّبة. فعلى سبيل المثال، لعب المفكر المحافظ مايكل أنطون دوراً بارزاً في صياغة استراتيجية الأمن القومي لعام 2025. وكان أنطون قد كتب في عام 2021 مقالاً حظي بانتشار واسع تحت عنوان: “لماذا لا يصب خوض حرب من أجل تايوان في مصلحة أميركا بشكل واضح”، معارضاً فيه أي تدخل عسكري يتعلق بالجزيرة، موضحاً أنه “لا توجد مصلحة وطنية أميركية جوهرية تجبرنا على خوض حرب من أجل تايوان، وحتى لو وُجدت مثل هذه المصلحة، فلا يوجد ما يضمن أننا سننتصر فيها”.
ويطرح مفكرون آخرون مقربون من ترامب حججاً مماثلة؛ ومن بينهم أولئك المنتسبون إلى مؤسسة “أولويات الدفاع” (Defense Priorities)، وهي مجموعة تدعو إلى ضبط النفس وتجمعها روابط بالبيت الأبيض. وقد أشارت جينيفر كافانا، وهي باحثة بارزة في المؤسسة، في وقت سابق من هذا العام إلى أن على الولايات المتحدة “استبدال الغموض الاستراتيجي بسياسة صريحة تقوم على عدم التدخل”، بالتوازي مع “إعادة هيكلة” قواتها العسكرية بأساليب أقل استفزازاً لبكين. وفي الأسبوع الماضي، نشرت تقريراً آخر أثار نقاشاً واسعاً، ناقشت فيه بأن على الولايات المتحدة تقليص دورها في الدفاع عن تايوان، والانسحاب من موقعها الأمامي على امتداد “سلسلة الجزر الأولى” التي تضم تايوان واليابان. وعلى الرغم من أن هذه الآراء كانت تُصنّف في السابق أفكاراً هامشية، إلا أنها بدأت تكتسب زخماً وتصبح جزءاً من التيار السائد في واشنطن في عهد ترامب.
أما على الصعيد الرسمي، فلم يطرأ أي تغيير على السياسة الأميركية تجاه تايوان؛ إذ يؤكد كبار المسؤولين أن سياسة “الغموض الاستراتيجي” ما زالت قائمة. ومؤخراً، ألقى إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون السياسات، خطاباً في مانيلا أكد فيه أن البنتاغون لا يزال يعمل على إعادة بناء قدرات الردع في مواجهة الصين على امتداد “سلسلة الجزر الأولى”، التي تشمل تايوان، مشدداً على أن الولايات المتحدة تعمل على ترسيخ حضورها في آسيا، ولا تفكر في الانسحاب منها.
ومع استمرار الحرب مع إيران، وفي ظل التحول المستمر في اهتمامات ترامب، يصعب تحديد ماهية السياسة الأميركية تجاه قضية معينة بثقة تامة. ومع ذلك، فإن هوس ترامب بعقد الصفقات إلى جانب الإطار الجديد للاستقرار الاستراتيجي مع الصين يشيران بقوة إلى أن مسألة دعم تايوان تخضع لإدارة دقيقة وتحوطٍ مدروس؛ وذلك لتجنب الإخلال بالعلاقة الأوسع والأكثر حساسية مع بكين. ومن الواضح أن ترامب مستعد لتجاهل ممارسات العدوان الصيني، بما في ذلك التقارير التي تشير إلى أن تزويد الصين لإيران بصور عالية الدقة عبر الأقمار الاصطناعية ربما تسبب في سقوط قتلى في صفوف القوات الأميركية خلال الصراع الأخير.
وبدلاً من التحول الحاسم نحو الوضوح الاستراتيجي، -الذي يُظهر صراحةً أن الولايات المتحدة ستدعم تايوان بالفعل- فإن السيناريو الأكثر واقعية يتمثل في سياسة تنحرف بهدوء في الاتجاه المعاكس، أي نحو عدم دعم تايبيه على الإطلاق. وتكمن الخطورة في أن المزيج المكون من تصريحات ترامب الارتجالية والأفكار الداعية لضبط النفس والحد من التدخل الخارجي، التي تتردد أصداؤها في واشنطن، قد يغير حسابات الصين؛ فإذا توصلت بكين إلى قناعة بأن مخاطر التحرك ضد تايوان قد تراجعت، فقد تتملّكها الرغبة، في وقت أقرب مما هو متوقع، لاختبار ذلك العزم بشكل مباشر. لقد أثمر الغموض الاستراتيجي تأثيراً رادعاً، وهو دور من المرجح أن ينتهي اليوم.
وتظل احتمالات اختبار الصين للدعم الأميركي لتايوان عبر محاولة الاستيلاء عليها في المدى القريب ضئيلة. إذ يبدو أن بكين راضية في الوقت الراهن عن العلاقة البنّاءة والمستقرة التي أنشأتها مؤخراً مع واشنطن. ومن المرجح أن ينصبّ تركيز الرئيس شي جين بينغ على مسألة خلافته في السلطة العام المقبل، بحيث يُتوقع على نطاق واسع أن يضمن ولاية رابعة خلال المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني، ما يجعله غير راغب في افتعال أزمة بشأن تايوان. وفي هذا السياق، يتحدث المثقفون الصينيون اليوم عما يصفونه بـ”انفراجة ناشئة في العلاقات الأميركية – الصينية”، بحسب تعبير دا وي، وهو مفكر بارز تربطه علاقات وثيقة بالمؤسسة الأمنية في بيجين.
وتشير الدلائل الواردة من واشنطن إلى تراجع استعداد الولايات المتحدة لتحمّل أي صدام مع الصين؛ ففي حين صُممت سياسة “الغموض الاستراتيجي” في الأصل لإبقاء كل من بكين وتايبيه في حالة من الترقب والتكهن، فإنها في ظل عهد ترامب باتت مهددة بالتحول إلى نوع مختلف من الوضوح، إذ تخلص الصين بهدوء إلى قناعة مفادها أنّ الولايات المتحدة باتت اليوم أقل التزاماً تجاه تايوان مما كانت عليه في أي وقت مضى.




