ترامب وبكين: صداقة من ورق

علي قاسم – العرب:
زيارة بوتين اللاحقة أكدت أن بكين وموسكو تعملان على بناء محور مضاد للأحادية الأميركية وأن خطاب ترامب عن التفاهم ليس سوى غطاء لعزلة سياسية متزايدة.
زيارة ترامب إلى بكين كانت محاولة لإعادة إنتاج صورة قديمة عن “الصداقة الصينية الأميركية”، لكنها سرعان ما بدت مجرد وهم سياسي حين كشفت زيارة بوتين اللاحقة أن بكين لا ترى في واشنطن شريكاً بل خصماً يسعى إلى فرض هيمنته على النظام الدولي. فالمشهد الذي جمع شي جين بينغ وبوتين في قصر الشعب لم يكن مجرد احتفال بروتوكولي، بل إعلان عن محور جديد يواجه الأحادية الأميركية ويعيد التوازن إلى عالم مضطرب. تصريحات شي التي وصفت الأحادية والتنمر الدولي بأنهما خطر يقرب النظام العالمي من قانون الغاب كانت بمثابة تفكيك مباشر لخطاب ترامب، إذ أوضحت أن بكين لا تنظر إلى واشنطن بعين الصداقة بل بعين الحذر والرفض.
هذا التباين بين خطاب ترامب والواقع الصيني الروسي يعكس تناقضاً عميقاً في السياسة الأميركية. فبينما حاول ترامب أن يقدّم زيارته كخطوة نحو التهدئة، جاءت القمة الصينية الروسية لتؤكد أن بكين وموسكو تعملان على بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، وأنهما تعتبران واشنطن عقبة أمام نظام عالمي أكثر عدلاً وتوازناً. بوتين نفسه شدد على أن العلاقات بين بلاده والصين بلغت مستوى غير مسبوق، وأن التعاون الاقتصادي بينهما يتصاعد رغم العقوبات الغربية، وهو ما يفضح محدودية ما يمكن أن تقدمه واشنطن لبكين في ظل حرب تجارية وتكنولوجية محتدمة.
اقتصادياً، يتضح أن الصين وروسيا تعيدان رسم خريطة الطاقة العالمية بعيداً عن النفوذ الأميركي. مشروع “قوة سيبيريا 2” الذي سيربط احتياطيات الغاز الروسية بالصين عبر منغوليا ليس مجرد صفقة تجارية، بل خطوة استراتيجية لتقليل اعتماد موسكو على أوروبا وتعزيز أمن الطاقة الصيني. في المقابل، لم تستطع واشنطن خلال زيارة ترامب أن تقدم بديلاً حقيقياً أو رؤية مشتركة تتجاوز لغة التهدئة المؤقتة. فبينما تتحدث الإدارة الأميركية عن “توازن تجاري”، تتحدث بكين وموسكو عن “توازن عالمي”. هذا الفارق في اللغة يعكس الفارق في الرؤية: واشنطن تريد صفقة، بينما بكين وموسكو تريدان نظاماً جديداً.
◄ ترامب حاول أن يروّج لوهم الصداقة الصينية الأميركية لكن وقائع بكين أثبتت أن الصين ترى واشنطن خصماً يسعى لفرض هيمنته لا شريكاً موثوقاً
الرمزية السياسية في الاستقبالين تكشف أيضاً الفارق بين الصورتين. فالمشهدية التي رافقت وصول بوتين إلى بكين كانت مطابقة لتلك التي رافقت وصول ترامب، لكن الفارق كان في المضمون. فبينما اكتفى ترامب بابتسامات ومصافحات شكلية، تحوّل استقبال بوتين إلى احتفال بالعلاقة التي “صمدت أمام العواصف”، كما وصفها الكرملين. الأطفال الذين لوّحوا بالعلمين الروسي والصيني لم يكونوا مجرد جزء من العرض، بل رمزاً لتحالف يُراد له أن يُرى في الداخل والخارج كبديل عن التحالفات الغربية المتصدعة.
في خلفية هذا المشهد، تتراكم ملفات تُظهر عمق التباين بين الصين والولايات المتحدة. من الحرب في أوكرانيا إلى النزاعات في الشرق الأوسط، تتخذ بكين مواقف حذرة لكنها لا تتقاطع مع الرؤية الأميركية. فهي ترفض التصعيد العسكري وتدعو إلى الحوار، بينما تواصل واشنطن دعم حروب بالوكالة وتوسيع وجودها العسكري. حتى في ملف الطاقة، تسعى الصين إلى تنويع مصادرها وتفادي التبعية لأي طرف، في حين تحاول الولايات المتحدة استخدام العقوبات كأداة ضغط على خصومها. هذا التباين يعكس أن بكين لا ترى في واشنطن شريكاً يمكن الاعتماد عليه، بل قوة تسعى إلى فرض إرادتها على الآخرين.
التحالف الصيني الروسي لا يعني بالضرورة وحدة كاملة في المصالح، لكنه يمثل توافقاً في الرؤية حول ضرورة إنهاء الأحادية الأميركية. فكلتا الدولتين تعتبران أن النظام الدولي الحالي لا يعكس موازين القوى الجديدة، وأن استمرار واشنطن في فرض إرادتها الاقتصادية والعسكرية يهدد الاستقرار العالمي. من هنا، يصبح خطاب ترامب عن “الصداقة” محاولة لتجميل واقع من التنافس الحاد، ومحاولة لتخفيف عزلة سياسية تتزايد مع كل خطوة تتخذها الصين وروسيا نحو بناء عالم متعدد الأقطاب.
التاريخ يقدم أمثلة عديدة على انهيار أوهام الصداقات السياسية حين تتعارض مع الحقائق الجيوسياسية. في سبعينيات القرن الماضي، حاولت واشنطن أن تُظهر تقارباً مع إيران الشاه باعتباره صداقة استراتيجية، لكن سرعان ما انهار ذلك الوهم مع الثورة الإسلامية التي كشفت أن المصالح لا تُبنى على المجاملات. وفي التسعينيات، تحدثت الولايات المتحدة عن شراكة مع روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي، لكن توسع الناتو شرقاً كشف أن تلك “الصداقة” لم تكن سوى غطاء لسياسة احتواء. اليوم، يعيد ترامب إنتاج الوهم ذاته مع الصين، لكن بكين التي ترى نفسها قوة عظمى لا تقبل أن تُعامل كدولة تابعة أو شريك مشروط.
الواقع أن بكين لا تحتاج إلى صداقة واشنطن بقدر ما تحتاج إلى اعترافها بمكانتها. فالصين التي أصبحت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، والمركز الصناعي والتكنولوجي الأول، لا تقبل أن تُعامل كدولة تابعة أو شريك مشروط. لذلك، فإن كل مبادرة أميركية للتقارب تُقابل في بكين بحذر استراتيجي، لأن التجربة أثبتت أن واشنطن تستخدم لغة التعاون حين تعجز عن فرض الهيمنة. في المقابل، ترى الصين في علاقتها مع روسيا نموذجاً لشراكة تقوم على المصالح المتبادلة لا على الإملاءات، وهو ما يجعلها أكثر استقراراً رغم التباينات.
في النهاية، يمكن القول إن زيارة ترامب إلى بكين لم تكن سوى فصل عابر في سردية أميركية تبحث عن توازن مفقود، بينما زيارة بوتين كشفت عن واقع جديد يتشكل خارج الإرادة الأميركية. فالعالم الذي كان يُدار من مركز واحد لم يعد كذلك، والحديث عن “صداقة” بين واشنطن وبكين يبدو اليوم خارج السياق. ما يجري هو إعادة توزيع للقوة، وإعادة تعريف للتحالفات، وإعادة كتابة لقواعد اللعبة الدولية. وبينما يواصل ترامب الترويج لوهم الصداقة، تكتب الصين وروسيا معاً فصلاً جديداً من التاريخ، عنوانه أن زمن الأحادية انتهى وأن العالم يتجه بثبات نحو تعددية لا مكان فيها لهيمنة القوة الواحدة.




