رأي

ترامب والمواعيد النهائية: قصة حب لم تنتهِ بعد

علي قاسم – العرب:

الموعد النهائي في قاموس السياسة الدولية الراهنة لم يعد يعني نهاية شيء، بل بداية التفكير في الموعد النهائي التالي.

في عالم كل ما فيه ينم عن السرعة، يبقى ثمة شيء واحد يتمتع بالثبات والاستقرار والديمومة: المواعيد النهائية التي يُعلنها دونالد ترامب مع إيران. إنها مواعيد لا تموت، بل تتقاعد بكرامة لتفسح المجال لمواعيد أخرى أكثر نهائية وأشد حسما وأوسع إعلاما.

القصة بدأت في السادس من مارس حين أعلن الرئيس الأميركي أن الحادي والعشرين من الشهر ذاته هو الموعد النهائي المطلق الذي لا رجعة فيه ولا تمديد بعده. ثم جاء الحادي والعشرون من مارس فمضى بهدوء تام كأنه يوم عادي في تقويم الأمم المتحدة. لم يتأثر ترامب كثيرا، فأعلن موعدا نهائيا جديدا في الثالث والعشرين من مارس بنبرة من يكشف سرا خطيرا لأول مرة. ثم جاء الثالث والعشرون من مارس وذهب في سلام. ثم السابع من أبريل. ثم السابع والعشرون من أبريل. والقائمة تطول.

وللتوضيح الإحصائي الضروري، فقد أعلن ترامب حتى الآن من المواعيد النهائية مع إيران ما يفوق عدد ألبومات تايلور سويفت بثلاثة أضعاف. والفارق الوحيد أن ألبومات تايلور سويفت تصدر فعلا.

ما يُدهش في هذه الظاهرة أن كل موعد نهائي جديد يُعلَن بقناعة راسخة ونبرة لا تقبل الجدل كأن الرئيس نسي تماماً المواعيد السابقة أو كأنها لم تكن

ما يُدهش في هذه الظاهرة أن كل موعد نهائي جديد يُعلَن بقناعة راسخة ونبرة لا تقبل الجدل، كأن الرئيس نسي تماما المواعيد السابقة أو كأنها لم تكن. وهو ما يُشير إلى واحدة من اثنتين: إما أن فريق الاتصالات في البيت الأبيض لا يحتفظ بأرشيف، وإما أن الرئيس يؤمن بفلسفة “كل يوم صفحة جديدة” بصورة حرفية جدّا.

الجانب الإيراني بدوره لم يكن بعيدا عن هذه الروح الاحتفالية. فحين أعلن ترامب ذات جمعة أن هرمز “مفتوح كليا وجاهز للعمل”، أصدر الحرس الثوري الإيراني بيانا بعد ساعات يؤكد أن المضيق لا يزال تحت “إدارة صارمة”. وهكذا وجد العالم نفسه أمام مضيق يعمل ولا يعمل في الوقت نفسه، في ظاهرة تجمع بين فيزياء الكم والمفاوضات الشرق أوسطية، وهي معادلة لم يسبق لأي كتاب دبلوماسية أن تناولها.

لكن الأطرف في المشهد هو وضع المفاوضين أنفسهم. فانس وكوشنر وويتكوف يصلون إلى إسلام آباد بحقائب السفر وملفات التفاوض وابتسامات التفاؤل المهنية، فيجدون أن الطرف الإيراني “لم يؤكد حضوره بعد”. ثم يعودون مرة ثانية، وثالثة، ورابعة… والمطارات الباكستانية تشهد حركة دبلوماسية غير مسبوقة دون أن تُفضي إلى شيء يُذكر، ما يجعل إسلام آباد المدينة الوحيدة في التاريخ التي تُشكّل جزءا من مفاوضات دولية دون أن تعرف أحيانا ما إذا كانت المفاوضات تجري أصلا.

وفي خضم كل هذا يبقى مضيق هرمز بطل الرواية الحقيقي الصامت. فهو الممر المائي الوحيد في العالم الذي يُفتح ويُغلق ثم يُعلَن عن فتحه وإغلاقه بصورة متزامنة، ويتحمل ثقل عشرين في المئة من نفط العالم فوق ثقل تصريحات تتناقض كل اثنتي عشرة ساعة.

الخلاصة الوحيدة التي يمكن استخلاصها بثقة تامة من هذا المشهد المتجدد هي أن الموعد النهائي في قاموس السياسة الدولية الراهنة لم يعد يعني نهاية شيء، بل بداية التفكير في الموعد النهائي التالي. وهو ابتكار دبلوماسي جدير بالدراسة في أعرق جامعات العالم، لو أن أحدا وجد وقتا لدراسته بين موعد نهائي وآخر.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى