
حسن حيد – الأخبار:
في ظلّ تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، يبدو تمديد وقف إطلاق النار خطوة تكتيكية أكثر منه تحوّلاً استراتيجياً، وسط تناقضات أميركية وردود إيرانية حادّة، ما يفتح الباب أمام مسارات تفاوضية معقّدة واحتمالات تصعيد طويلة الأمد.
بات واضحاً أن تمديد وقف إطلاق النار الأميركي لم يكن رضوخاً لضغوط الوسطاء، بقدر ما شكّل، بالنسبة إلى الرئيس دونالد ترمب، مخرجاً سياسياً من مأزق الحرب. إذ وجد ترامب في وساطة أطراف دولية، لا سيما باكستان، غطاءً مناسباً لإعادة التموضع، والتلطّي خلف مسار دبلوماسي يخفّف من كلفة التراجع، خصوصاً في ظلّ إدراك متزايد بأن تجدّد الاشتباك مع إيران لن يكون محدود الأثر، بل سيفتح الباب أمام تداعيات واسعة تطاول المنطقة والاقتصاد الأميركي والنظام الاقتصادي العالمي ككلّ. ورغم ذلك، لم يُترجَم تمديد وقف إطلاق النار إلى تحوّل حقيقي في الاستراتيجية الأميركية، لا بل عاد ترامب ليؤكد التمسّك بسياسة الحصار البحري، في ما أدّى مجدّداً إلى تسميم أجواء المفاوضات، وتعميق فجوة الثقة بين الطرفَين.
في المقابل، لم تتأخّر إيران في الردّ على هذا التناقض الأميركي؛ إذ أعادت إغلاق مضيق هرمز، في رسالة واضحة بأن كلفة الحصار لن تكون أحادية الجانب، بل ستمتدّ لتطاول الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة بشكل مباشر. وفي ظلّ عملية الدفاع هذه في مواجهة ما تراه طهران «عملاً حربياً» يستوجب الردّ، تبدو الخيارات المستقبلية محصورة في ثلاثة مسارات رئيسة: إعادة ضبط قواعد التفاوض، أو الانزلاق إلى استنزاف طويل الأمد، أو محاولة إنتاج صيغة مرحلية لخفض التصعيد. ويرتبط المسار الأوّل بإعادة تعريف الهدف التفاوضي نفسه؛ فطالما ظلّ الخطاب الأميركي متمسّكاً بفكرة «الاستسلام غير المشروط»، فإن أيّ حوار لن يتجاوز حدود المناورة التكتيكية، وسرعان ما سيصل إلى طريق مسدود، وهو ما تدلّ عليه التجارب السابقة التي تُظهر أن هذا النهج لا يؤدّي إلى نتائج مستدامة، بل يدفع الطرف المقابل إلى مزيد من التشدّد، خصوصاً في حال إيران التي تُبنى عقيدتها التفاوضية على مبدأ التوازن لا الانصياع.
أما المسار الثاني، فيقوم على مبدأ «التعليق مقابل التعليق» أو «خطوة مقابل خطوة»، كصيغة وسط تتيح لكلّ طرف تحقيق مكسب سياسي من دون الظهور في مظهر المتراجع. ووفق هذا الطرح، يمكن للولايات المتحدة تعليق الحصار البحري مقابل قيام إيران بإلغاء القيود التي فرضتها على المرور في مضيق هرمز. ورغم محدودية هذه المعادلة من حيث النطاق، إلّا أنها تحمل قيمة استراتيجية، كونها توفّر أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لاحقاً، وتسمح للطرفين بتقديمها داخلياً كإنجاز لا كتنازل. ولتحقيق ذلك، يُفترض أن تؤدي الوساطة الإقليمية والدولية دوراً محورياً، خاصة من قِبل باكستان وبعض دول المنطقة الساعية إلى منع انزلاق الأزمة نحو مواجهة مفتوحة. فبعد فشل الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد بسبب التباعد الكبير في المواقف، لا سيما في الملف النووي، تبدو الجهود الحالية مركّزة على إيجاد ضمانات ملموسة تعيد الطرفَين إلى طاولة الحوار. ولربّما يتمثّل المخرج هنا في عقد اجتماع على مستوى مساعدي الوزراء والفرق التقنية، تمهيداً لوضع خارطة طريق تدريجية تضمن تقليص فجوات الثقة وتجنّب المفاجآت الدبلوماسية التي قد تعرقل أيّ مسار تفاوضي مستقبلي.
أثبتت التجربة أن سياسات الضغط الأقصى تُقابَل بردود فعل مماثلة
وفي ما يتّصل بالمسار الثالث، الأكثر خطورة، فيتمثّل في تحوّل الوضع إلى حال استنزاف طويلة الأمد، أشبه بـ«حرب باردة بحرية»؛ وفي هذه الحال، لن تكون المواجهة مباشرة، لكنها ستنعكس في شكل اضطرابات مستمرّة في حركة الملاحة، وتقلّبات حادة في أسعار الطاقة، وتزايد مستمرّ في المخاطر الأمنية في المنطقة. ومع مرور الوقت، قد تتحوّل تلك الضغوط من أدوات تفاوضية إلى عوامل مؤثّرة على مواقف حلفاء الولايات المتحدة، خاصة كبار مستهلكي الطاقة، الذين قد يجدون أنفسهم مضطرّين إلى الضغط على واشنطن لتخفيف شروطها حفاظاً على استقرار الأسواق، بالتوازي مع مطالبة طهران بإظهار مزيد من المرونة، خصوصاً في الملف النووي.
على أن العامل الأكثر حساسية في هذه الأزمة لا يقتصر على التوازنات العسكرية أو الاقتصادية، بل يمتدّ إلى الحسابات السياسية الداخلية لدى كلّ من الطرفَين. ففي حين تبدو إيران غير مستعجلة للتوصّل إلى اتفاق شامل، مفضّلةً كسب الوقت وإدارة الأزمة وفق إيقاعها الخاص، يواجه الجانبان الأميركي والإسرائيلي ضغوطاً زمنية مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تفرض عليهما العمل على تحقيق «نصر واضح»، بعيداً من التسويات الرمادية أو الحلول المرحلية التي يَصعب تسويقها للرأي العام. ووفق بعض التقديرات الإيرانية، فإن أيّ اهتزاز في البنية السياسية الداخلية في الولايات المتحدة أو إسرائيل نتيجة تطوّرات الأزمة، قد يتحوّل إلى ورقة سياسية في أيدي طهران، تُستخدم للإيحاء بأن التغيير لم يحدث فيها، بل في واشنطن وتل أبيب.
في المحصلة، من الصعب التعويل على حلّ تفاوضي سريع يقوم على حزمة تنازلات متبادلة؛ إذ تتطلّب الأزمة تغييراً في جوهر المقاربة التفاوضية الأميركية، من «التفاوض من أجل الاستسلام» إلى «التفاوض من أجل إدارة الأزمة»، خصوصاً أن التجربة أثبتت أن سياسات الضغط الأقصى تُقابَل بردود فعل مماثلة، وتؤدي بالتالي إلى دوامات تصعيد يصعب احتواؤها. ولذلك، يبقى الخيار الأكثر واقعية هو التوصّل إلى اتفاق مؤقت لخفض التصعيد، يقوم على مبدأ التعليق المتبادل للإجراءات. ورغم أن هذا الاتفاق لن يعالج جذور الأزمة، إلّا أنه يمنح الأطراف مساحة لالتقاط الأنفاس، ويمهّد الطريق لمرحلة لاحقة من التفاوض، خصوصاً في الملف النووي، الذي يُتوقع أن يكون الأكثر تعقيداً وأن يستغرق وقتاً أطول من بقية الملفات.




