شؤون دولية

تراجع الثقة في واشنطن يعزز محادثات التوازن التجاري بين بكين والاتحاد الأوروبي

أبدت الصين انفتاحاً على بحث سبل لمعالجة الاختلال الكبير في الميزان التجاري مع الاتحاد الأوروبي، في تحول لافت يعكس إدراك بكين أن فائضها التجاري مع التكتل، البالغ نحو مليار يورو يومياً، أصبح قضية سياسية متصاعدة في بروكسل، وذلك في وقت أظهر فيه استطلاع للرأي انقساماً بين الأوروبيين بشأن ما إذا كان ينبغي للاتحاد توثيق علاقاته مع الولايات المتحدة أو الصين.

وذكرت صحيفة South China Morning Post، نقلاً عن عدة أشخاص مطلعين على محادثات جرت في بروكسل هذا الأسبوع، أن وزير التجارة الصيني وانج ون تاو، أبلغ مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش، بانفتاح بكين على دراسة اتفاقات لشراء مزيد من السلع الأوروبية.

وأضافت الصحيفة أن المحادثات تناولت أيضاً، إمكانية خفض الرسوم الجمركية على بعض السلع المصنعة في الاتحاد الأوروبي، في إشارة وصفها بأنها نادرة إلى اعتراف الصين بأن فائضها التجاري مع الاتحاد “بات يمثل تحدياً سياسياً للعلاقات بين الجانبين”.

التوازن التجاري
وبحسب الصحيفة، أبدت بكين كذلك استعداداً لبحث سبل الحد من الزيادة الكبيرة في صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي، والتي أثارت مخاوف من تعرض الصناعات الأوروبية لضغوط متزايدة نتيجة تدفق منتجات صينية منخفضة التكلفة ومرتفعة الجودة.

إلا أن المصادر أوضحت أن الوزير الصيني أبدى اهتماماً أكبر بزيادة واردات بلاده من أوروبا مقارنة بخفض الصادرات الصينية إلى دول الاتحاد.

قال وزير الخارجية الصيني وانج يي السبت، إن الصين والاتحاد الأوروبي يجب أن يديرا خلافاتهما “على نحو مناسب”، وأن يعمقا تعاونهما العملي.

وفي العلن، تواصل بكين التقليل من أهمية اتساع الفائض التجاري، معتبرة أنه يعكس الطلب الأوروبي على المنتجات الصينية، بينما سبق لمسؤولين صينيين أن أرجعوا صعوبة إعادة التوازن التجاري إلى القيود الهولندية على تصدير معدات متقدمة لصناعة أشباه الموصلات.

ورجحت الصحيفة، أن يكون الانفتاح الصيني مرتبطاً بتزايد استعداد الاتحاد الأوروبي لتشديد أدواته التجارية في التعامل مع بكين، بعد نقاشات بين الدول الأعضاء الشهر الماضي.

وأشار إلى أن المفوضية الأوروبية تدرس تطبيق نظام للحصص الجمركية يتيح دخول كميات محددة من بعض المنتجات الصينية برسوم منخفضة، على أن تخضع الكميات التي تتجاوز تلك الحصص لرسوم جمركية أعلى، في محاولة للحد من تدفق الواردات في قطاعات رئيسية.

وتُعد الصين من أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي، إلا أن العلاقات التجارية بين الجانبين تشهد اختلالاً متزايداً في الميزان التجاري لصالح بكين.

ووفقاً لبيانات المكتب الأوروبي للإحصاء “يوروستات”، بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الصين 199.6 مليار يورو في عام 2025، مقابل واردات بقيمة 559.4 مليار يورو، ما أسفر عن عجز تجاري قياسي بلغ 359.8 مليار يورو لصالح الصين.

ويعادل هذا العجز نحو مليار يورو يومياً، وهو ما عزز ضغوط بروكسل على بكين لاتخاذ خطوات من شأنها إعادة قدر أكبر من التوازن إلى العلاقات التجارية بين الجانبين.

انقسام أوروبي بين الصين والولايات المتحدة
وفي سياق متصل، أوردت مجلة “بوليتيكو” نتائج استطلاع أجرته مؤسسة Public First، خلال يونيو الماضي، في 24 دولة عضو بالاتحاد الأوروبي، أظهر انقساماً في الرأي العام بشأن ما إذا كان ينبغي لأوروبا تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة أو الصين.

وأظهرت النتائج أن المشاركين من 8 دول فضلوا توثيق العلاقات مع الصين، مقابل 9 دول مالت إلى الولايات المتحدة، فيما جاءت الآراء منقسمة في 7 دول أخرى.

وفي 14 دولة، كانت الإجابة الأكثر شيوعاً هي “لا أعرف”، متقدمة على الخيارين الأميركي والصيني.

وذكرت “بوليتيكو” أن نتائج الاستطلاع تعكس الضغوط التي تواجهها أوروبا في ظل توتر علاقاتها مع أكبر شريكيها التجاريين، مشيرة إلى أن كثيراً من المشاركين في دول أوروبا الغربية لم يعودوا ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها الحليف الموثوق الذي كانت تمثله في السابق.

تشهد العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين حالة جمود عميقة، مع مؤشرات واضحة على أنها قد تزداد سوءاً خلال الفترة المقبلة، في ظل غياب أي بوادر انفراجة.

وأوضحت أن إيطاليا وإسبانيا مالتا بصورة أكبر نحو الصين، بينما سادت حالة من التردد في فرنسا وألمانيا، حيث اختار معظم المشاركين عدم تفضيل أي من الطرفين.

في المقابل، حافظت دول شرق أوروبا، مثل بولندا وليتوانيا وإستونيا، على تفضيل واضح للولايات المتحدة، في ظل استمرار اعتمادها على واشنطن باعتبارها الضامن الرئيس للأمن الأوروبي.

وأظهر الاستطلاع أن 38% من المشاركين يرون أن تقليل اعتماد أوروبا على الصين قد يكون هدفاً مرغوباً، لكنه غير واقعي، بينما رأى 26% فقط أن تحقيق هذا الهدف ممكن ومرغوب فيه، في حين قال 19%، إن الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن يسعى أصلاً إلى تقليص اعتماده على الصين.

كما توقع 43% من المشاركين أن تصبح الصين الشريك التجاري الأهم لأوروبا خلال السنوات العشر المقبلة، مقابل 27% فقط رجحوا الولايات المتحدة.

وأضافت “بوليتيكو” أن غالبية المشاركين في 23 من أصل 24 دولة شملها الاستطلاع، توقعوا أن تتصدر الصين قائمة الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبي خلال العقد المقبل، بينما كانت ليتوانيا الدولة الوحيدة التي رجحت بوضوح استمرار الولايات المتحدة في هذا الموقع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى