تحقيقات مرفأ بيروت أمام مرحلة مفصلية: هل تقترب الحقيقة أم تتقدم التسويات؟

خاص ” رأي سياسي”:
يشهد ملف انفجار مرفأ بيروت تطوراً قضائياً جديداً مع انتقال التحقيق إلى استجواب ضباط متقاعدين في الجيش بصفة مدعى عليهم، في خطوة تعكس اتساع نطاق البحث في المسؤوليات المرتبطة بوجود نيترات الأمونيوم داخل المرفأ، وتعيد القضية إلى واجهة المشهد اللبناني بعد سنوات من التعطيل والتجاذبات. إلا أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في عدد الأشخاص الذين تشملهم الإجراءات، بل في ما إذا كانت ستقود فعلاً إلى كشف كامل للوقائع وتحديد المسؤوليات من دون استثناء.
إن استدعاء ضباط من المؤسسة العسكرية للتحقيق يطرح مسألة جوهرية تتعلق بطبيعة المعرفة التي كانت متوافرة لدى الجهات الرسمية والأمنية، وحدود صلاحياتها، وكيفية التعامل مع المعلومات المتعلقة بوجود مواد شديدة الخطورة في أحد أهم المرافق الحيوية في البلاد. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بكيفية وصول الشحنة إلى المرفأ، وإنما أيضاً بمسار إدارتها وتخزينها، وبالقرارات التي اتخذت أو لم تتخذ لمنع وقوع الكارثة.
ومن هذا المنطلق، فإن توسيع دائرة الاستجوابات يمكن اعتباره تطوراً في المسار القضائي، لكنه لا يشكل بحد ذاته دليلاً على أن التحقيق وصل إلى نهايته. فالمطلوب هو الانتقال من جمع الإفادات وتحديد الشبهات إلى بناء ملف متكامل يستند إلى الوثائق والمراسلات والقرارات الرسمية، ويحدد بوضوح مسؤولية كل جهة وفق ما يثبته القضاء.
في المقابل، لا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن الظروف السياسية والقضائية التي أحاطت بالقضية منذ انفجار الرابع من آب 2020. فقد أدت سنوات التعطيل وتبادل الاعتراضات إلى إضعاف ثقة اللبنانيين بإمكانية الوصول إلى محاسبة حقيقية، كما جعلت كل خطوة جديدة موضع تساؤل بشأن خلفياتها ونتائجها المحتملة. لذلك، فإن عودة التحقيق إلى الحركة تضع القضاء أمام مسؤولية مضاعفة، تتمثل في إثبات استقلالية الإجراءات وعدم السماح بتحويل الملف إلى ساحة لتصفية الحسابات أو تبادل الضغوط.
أما الحديث عن احتمال وجود صفقة سياسية، فيبقى احتمالاً متداولاً لا يمكن التعامل معه كحقيقة مثبتة. لكن هذا الاحتمال يكتسب حضوره من التجارب السابقة التي شهدت فيها القضية مواجهات حالت دون استكمال التحقيق. والخشية الفعلية ليست بالضرورة وجود اتفاق سري، بل أن تنتهي الإجراءات إلى نتائج محدودة، يجري تقديمها للرأي العام باعتبارها تقدماً كافياً، بينما تبقى الأسئلة الأساسية المتعلقة بمستويات المسؤولية من دون إجابات حاسمة.
وهنا تبرز أهمية القرار الاتهامي المنتظر، باعتباره المحطة التي ستكشف مدى اتساع التحقيق وقدرته على الربط بين مختلف حلقات القضية. فإذا تضمن الوقائع والأدلة وحدد المسؤوليات الإدارية والأمنية والسياسية وفق المعايير القانونية، فسيكون ذلك انتقالاً مهماً نحو المحاكمة. أما إذا اقتصر على جوانب محددة ولم يقدم تفسيراً متكاملاً لما سبق الانفجار، فإن الشكوك ستبقى قائمة، مهما بلغ عدد الإجراءات التي سبقته.
كذلك، لا يجوز اعتبار الإعلان عن أسماء مشتبه فيهم أو اتخاذ إجراءات بحقهم نهاية للمسار. فالعدالة لا تتحقق بالتسميات الإعلامية، وإنما بمحاكمة تضمن حقوق الدفاع وقرينة البراءة، وتنتهي إلى أحكام قضائية تستند إلى أدلة واضحة. ومن الضروري أيضاً ألا تتحول سرية التحقيق إلى غطاء يمنع معرفة الرأي العام بمسار القضية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأصول القانونية التي تحمي سلامة المحاكمة.
إن اللبنانيين لا ينتظرون مجرد تحريك ملف طال تجميده، بل ينتظرون معرفة كيف وقعت الكارثة، ومن امتلك المعلومات والصلاحيات، ولماذا لم يتم منعها. وهذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بصورة مجتزأة أو من خلال تحميل المسؤولية لمستوى واحد من مستويات الإدارة.
في المحصلة، تقف قضية مرفأ بيروت أمام مرحلة دقيقة قد تحدد اتجاهها لسنوات مقبلة. فإما أن تتحول التطورات الحالية إلى مدخل لمحاكمة شاملة تكشف الحقيقة وتعيد الاعتبار إلى القضاء، وإما أن تبقى في إطار إجراءات متلاحقة لا تبدد الشكوك ولا تنهي معاناة أهالي الضحايا. والفيصل لن يكون في توقيت الإعلان عن الأسماء، بل في مضمون القرار الاتهامي وما سيترتب عليه من محاسبة فعلية. فالحقيقة في قضية المرفأ لا تحتمل أنصاف النتائج، والعدالة لا تكتمل إلا عندما تكون المسؤولية بحجم الكارثة.




