رأي

بين بكين وأوتاوا.. واشنطن على المحك

كتبت يسرا عادل, في الخليج:

حين تحدث مارك كارني في دافوس، لم يكن يلقي خطاباً بقدر ما كان يعلن نهاية وهم وبداية وعي. لم يرفع صوته، ولم يستعرض قوة كندا العسكرية أو وزنها العددي، لكنه فعل ما هو أخطر: قرأ المشهد العالمي كما هو، لا كما ترغب العواصم الكبرى في تسويقه. لذلك بدت كلمته قوية، ليس لأنها هجومية، بل لأنها صادقة. حملت فخراً للكنديين، لأن زعيمهم قال ما يفكرون فيه همساً، وحملت لوماً ثقيلاً لكُثر، لأنهم أسهموا في صناعة عالم يتفكك، ثم تظاهروا بالدهشة.
كارني قال في دافوس إن النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد قائماً، وإن العالم لا يعيش انتقالاً هادئاً، بل قطيعة حادة. هذه ليست جملة إنشائية، إنها توصيف سياسي بالغ الخطورة. فحين يصدر هذا الكلام عن مصرفي سابق، ثم رئيس حكومة يدير اقتصاداً من أكثر اقتصادات العالم انكشافاً على التجارة، يصبح الكلام تشخيصاً لا رأياً. هنا تحديداً ظهرت فطنة كارني: لم ينتظر الانفجار، بل أعلن وقوعه.
هذه القراءة لم تولد في دافوس. جولات كارني منذ نهاية العام الماضي تكشف بوضوح أنه استعد للحظة. على هامش قمم آسيان، التقى قادة دول جنوب شرق آسيا، حيث سلاسل التوريد، وأشباه الموصلات، والمواد الخام التي ستحدد اقتصاد العقد المقبل.
بعدها توجه إلى أبوظبي، حيث عُقدت صفقات استراتيجية في الطاقة والاستثمار. كندا، عززت شراكاتها مع مؤسسات إماراتية في مشاريع الطاقة المتجددة، والهيدروجين، والبنية التحتية المستدامة، بصفقات مليارية، ما يؤسس لدور كندي فاعل في أسواق الطاقة الجديدة، لا كمصدر تقليدي بل كمُصمم قواعد. بعدها حضر قمة العشرين بجدول أعمال ثقيل، ركّز فيه على إصلاح النظام المالي، وأمن سلاسل الإمداد، ورفض استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي أعمى.
مع بداية العام، كانت الخريطة أوضح. من باريس، حيث التفاهمات الأوروبية حول التمويل الأخضر والدفاع الصناعي، إلى بكين، حيث الاتفاقيات التجارية الجديدة وتخفيف القيود على الزراعة والطاقة والمعادن، وصولاً إلى الدوحة، حيث تعزيز الشراكة في الغاز المسال والاستثمارات العابرة للقارات. هذه ليست زيارات بروتوكولية، إنها خيوط استراتيجية تُنسج بهدوء.
وهنا دعونا نلقي الضوء على مربط الفرس: التقارب الكندي-الصيني. تقارب خطر يردم الخلاف والاختلاف ويعزز الصالح والمصالح، في لحظة الفراغ، والغدر الممكن، وربما المرتقب!
الصين، التي ضخت قرابة تريليون دولار في مشروع الحزام والطريق، امتد نفوذها عبر موانئ ومسارات استراتيجية: من بيريوس في المتوسط، حيث تدير شركات صينية تشغيل الميناء ضمن عقود طويلة الأمد، إلى مومباسا في شرق إفريقيا، مروراً بجوادر على بحر العرب، وصولاً إلى الاستثمار في مسارات برية وبحرية تُخفف الاعتماد على قناة السويس. هذا النفوذ، لا يقوم على السيطرة المباشرة، بل على هندسة ذكية لسلاسل الإمداد، لكنه يصطدم اليوم بمحاولات تطويق أمريكية متزايدة تسعى إلى كبح تمدده لا اقتلاعه.
القطب الشمالي هنا ليس تفصيلاً. كندا تمتلك أرخبيلاً شاسعاً وممراً تجارياً بالغ الحساسية: الممر الشمالي الغربي. طريق يربط الهادي بالأطلسي ويختصر زمن الشحن نحو أسبوعين، ويعيد رسم خرائط التجارة العالمية. الصين، التي تصف نفسها ب«دولة قريبة من القطب الشمالي»، لا تحتاج إلى إفشال مشاريع أمريكية أو معارك جغرافية، يكفيها تقارب محسوب مع أوتاوا ليُفتح أمامها مسار استراتيجي جديد، وضربة صامتة لمحاولات تطويقها.
وهنا تظهر براغماتية كندا. سنتفق سوياً أن الخلافات الصينية-الكندية لم تكن طارئة ولا أحادية السبب، بل سلسلة مد وجزر امتدت لعقود. لم تبدأ بفالون جونج، حين تحولت طائفة روحية إلى ملف أمني عابر للحدود كشف هشاشة الثقة بين الدولة والحريات، ولم تنته بهواوي، حيث اصطدم القانون الكندي بحسابات الصراع الأمريكي-الصيني. ورغم هاتين المحطتين وما تخللهما، تجاوزت الدولتان أزمات تجارية ودبلوماسية وأمنية، فزار رئيس الوزراء الكندي الصين بعد 8 سنوات على آخر زيارة كندية إلى بكين، وقابل زعيمها مرتين في غضون ثلاثة أشهر، وأعيدت العلاقات إلى منطق الضرورة لا الثقة، البراغماتية لا الأيديولوجية المشتركة.
في المقابل، يدفع الرئيس الأمريكي الحلفاء التاريخيين إلى حافة اللاخيار: حديث عن الاستحواذ على غرينلاند، تلميحات تمس كندا نفسها، ورسوم وعقوبات تُستخدم بلا تمييز. مفارقة غريبة: كلما اشتد هذا الضغط، بدا الطريق أمام بكين أكثر سلاسة، لا بفعل قوتها وحدها، بل بسبب أخطاء خصومها.
مارك كارني لا يراهن على الصين ضد أمريكا، ولا على كندا كقوة عظمى. هو يراهن على الفراغ، وعلى ذكاء التحرك في المساحات التي يتركها الآخرون حين ينشغلون بالصراخ. جعبته تحمل الكثير، لكن الاستراتيجية واضحة: تنويع الشركاء، تحصين السيادة، وتحويل الجغرافيا الكندية من هامش بارد إلى قلب طريق عالمي جديد.
ويبقى السؤال مفتوحاً: إذا كان التعامل الأمريكي مع الحلفاء يتم بهذه الخشونة، فهل أعدّ العالم عدته فعلاً لمواجهة الغضب الترامبي؟ أم أن قادة مثل كارني قرروا ببساطة ألا ينتظروا العاصفة… بل أن يبنوا طرقاً تمر من تحتها؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى