بن غفير وجه إسرائيل الحقيقي

عمر كوش – العربي الجديد:
أثار وزير الأمن القومي الإسرائيلي، الفاشي المتطرّف، إيتمار بن غفير، موجة غضب وإدانات وانتقادات عالمية لإسرائيل، في أعقاب نشره مشاهد توثق إهانته نشطاء “أسطول الصمود العالمي” المحتجزين في ميناء أسدود، بعدما اعترضت قوات الاحتلال الإسرائيلية سفنهم في المياه الدولية في أثناء توجّهها نحو قطاع غزّة. تضمنت تلك المشاهد توجيهه إهانات وتهماً بدعم الإرهاب للمتضامنين، وهم مقيّدو الأيدي، ومعصوبو الأعين، الأمر الذي استدعى أثراً ارتدادياً عالمياً، مستنكراً هذا السلوك الفاشي. كما أحدثت تلك المشاهد صدمة دولية، ليس فقط اعتراضاً على فعل التنكيل نفسه، بل على فضيحة نشره علناً أيضاً، كونه نقل حقيقة الممارسات الإسرائيلية البشعة وكشفها مجدّداً أمام العالم أجمع، حيث أظهر دولة الاحتلال منظومة قائمة على العنف البنيوي وانتهاك حقوق الإنسان، لا الفلسطينيين فقط، بل وحتى المتضامنين معهم.
استدعت دول من الاتحاد الأوروبي، بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وبلجيكا، إلى جانب كندا وأستراليا ونيوزيلندا، السفراء والممثلين الإسرائيليين لديها احتجاجاً على عمليات التنكيل والإهانة والإذلال، وطالبت دولة الاحتلال بالاعتذار، وإطلاق سراح الناشطين، إضافة إلى تنديد تركيا وأيرلندا وكوريا الجنوبية وسواها. كما استنكرت منظمات حقوقية دولية بارزة، مثل منظمة العفو الدولية، ما يتعرّض له المتضامنون من إخفاء وتعذيب نفسي، ووثقت منظمة “عدالة” الحقوقية حالات التهديد والتنكيل.
إن كانت “من الجيد إدانة بن غفير بسبب إذلال أعضاء الأسطول، إلا أن الكلمات لا تكفي..”، حسبما قالت المقررة الأممية في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيز، لذلك طالبت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بعدم الاكتفاء بإدانة معاملة سلطات الاحتلال ناشطي “أسطول الصمود العالمي”، والذهاب نحو تعليق اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وتعني هذه المطالبة ضرورة ترجمة الدول إلى إجراءات عقابية ورفع دعاى ضد حكومة الاحتلال، وعدم حصر الأمر بشخص بن غفير، وينسحب هذا على كل الدول التي دانت أو انتقدت ما قام به بن غفير، الذي سبق وأن قام بعمليات تنكيل واسعة ضد الفلسطينيين، وبدعم من حكومة اليمين المتطرّف التي يتزعمها بنيامين نتنياهو، المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، والذي حاول التنصّل من فعلة بن غفير هذه المرّة، وادّعاء أن “الطريقة التي تعامل بها الوزير بن غفير مع ناشطي الأسطول لا تنسجم مع قيم إسرائيل ومعاييرها”، بينما تنسجم هذه القيم والمعايير من حرب الإبادة الجماعية والتجويع التي شنها ضد ملايين الفلسطينيين.
بن غفير، الذي يشغل منصب وزير الأمن القومي في إسرائيل، هو أحد الوجوه الفاشية في حكومة الاحتلال
بن غفير، الذي يشغل منصب وزير الأمن القومي في إسرائيل، هو أحد الوجوه الفاشية في حكومة الاحتلال، الذي ينحدر من صفوف “بريت هبيريونيم” (تحالف المتعصبين)، أشهر المجموعات المتطرفة في إسرائيل. وقد صرّح، في أكثر من مناسبة، بتبنّيه مقولة “التفوق اليهودي”، ويدعم علناً استخدام أكثر الأساليب وحشية ضد الفلسطينيين أينما وجدوا. ويمكن تشبيه بكائن مسعور ومقيت، يهاجم بشراسة وعدوانية كل العرب الذين يكنّ لهم الكراهية المطلقة، ولا يتوانى عن مهاجمة كل من يتجرأ على انتقاد انتهاكات المستوطنين وأفعالهم الفاشية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية أو الاعتراض عليها.
لا يقتصر الأمر على التنكيل بالنشطاء المتضامنين مع الفلسطينيين، بل يمتد إلى مجمل مسيرة هذا الفاشي، حيث سبق وأن تعمّد الظهور في مشهد لافت، بصحبة بعض أعضاء حزبه في الكنيست، وهم يضعون دبوساً على شكل مشنقة، خلال مناقشة مشروع قانون إقرار عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين، إضافة إلى أن بن غفير هو عرّاب هذا القانون، الذي أقرّه الكنيست الإسرائيلي قي نهاية مارس/ آذار الماضي. ولم تفعل الدول الأوروبية شيئاً حياله، سوى الإدانة والانتقاد، بالرغم من أنها تناهض قانون الإعدام، فضلاً عن أنه قانون عنصري وتمييزي، ويمثل انتهاكاً صارخاً لكل القيم الإنسانية، والمواثيق الدولية، التي تكفل حقوق الأسرى، وتحظر المعاملة القاسية أو اللاإنسانية بحقهم. والأدهى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب برّرت مصادقة الكنيست عليه، بتأكيد احترامها سيادة إسرائيل، وحقها في تحديد قوانينها وعقوباتها الخاصة بالأفراد، الأمر الذي يصبّ في سياق الدعم الأميركي منقطع النظير لكل ممارسات دولة الاحتلال، وبما يجعلها تتمادى في أفعالها الفاشية.
نظّم بن غفير مسيرات استفزازية في الداخل الفلسطيني، أبرزها اقتحامات لمدن كفر قاسم والناصرة وأم الفحم ووادي عارة، دعا فيها إلى تهجير “عرب 48”
تشير ظاهرة بن غفير إلى صعود اليمين الإسرائيلي المتطرّف، وتزعّمه حكومة الاحتلال، ما أدّى إلى تغذية التطرّف القومي، وتعزيز الاستيطان، وتبنّي سياسات دموية وعنيفة تجاه الفلسطينيين، وتوسيع الفجوة داخل المجتمع الإسرائيلي ومع المجتمع الدولي.
يترأس بن غفير حزب “العظمة اليهودية”، ويحظى بدعم رئيس الحكومة، نتنياهو، وتحول زعيم التيار المحرض على الشعب الفلسطيني، ونظّم مسيرات استفزازية في الداخل الفلسطيني، أبرزها اقتحامات لمدن كفر قاسم والناصرة وأم الفحم ووادي عارة، دعا فيها إلى تهجير “عرب 48″، واعتبرهم “قنبلة موقوتة”، تشكل خطراً على “يهودية إسرائيل”. وشكّل بن غفير في إبريل/ نيسان 2024 وحدة شرطية خاصة، تضم محققين عسكريين وعناصر من شرطة الهجرة، لملاحقة نشطاء اليسار الإسرائيلي والمتضامنين الأجانب في الضفة الغربية وترحيلهم، الأمر الذي يشي بأن تاريخه حافل بالممارسات العنصرية والفاشية.
السؤال في هذا الصدد: ما الذي جعل بن غفير (لا يختلف عنه كثيراً رصفاؤه في حكومة إسرائيل) يتمادى في أفعاله الوحشية؟ … يمتد إلى التساؤل عن الجهات والقوى التي تُمكّنه من الاستقواء للتنكيل بالنشطاء الدوليين المسالمين، الذين تجرّأوا على القيام بمحاولة رمزية لإيصال بعض الدواء والغذاء إلى الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزّة المنكوب. هل يستقوي بالمواقف الأوروبية الممالئة أم بالتخاذل الدولي تجاه ممارسات إسرائيل، أم بالدعم الأميركي غير المحدود للتيار اليمين الفاشي والعنصري الحاكم في الدولة العبرية، وبمباركة وإسناد من نظرائه في الكونغرس، والمؤسسات الأميركية الأخرى التي تهيمن على صنع القرار في الولايات المتحدة؟




