اقتصاد ومال

بناء أول قاطرة بحرية مصنعة محلياً في سلطنة عمان

تخطو سلطنة عُمان نحو تعزيز قدراتها الصناعية البحرية بتوقيع اتفاق استراتيجي لبناء أول قاطرة بحرية مصنعة محلياً للعاملين في قطاع الغاز الطبيعي المسال، حيث وقعت شركة أسياد اتفاقاً بهذا الشأن مع شركة سفيتسر العملاقة للخدمات البحرية في يناير/ كانون الثاني الماضي. وتعكس الخطوة توجهاً استراتيجياً نحو تطوير القدرات العُمانية، بما يتجاوز مجرد الخدمات التشغيلية إلى المرحلة الأكثر تقدماً من التعاون الصناعي، حسبما أورد تقرير نشرته وكالة الأنباء العُمانية.

وتكتسب هذه القاطرة البحرية، التي سيبلغ طولها 32 متراً أهمية حاسمة للعمليات اللوجستية والتشغيلية في محطة قلحات لعُمان للغاز المسال بالقرب من محافظة مسقط، إذ ستتولّى القاطرة مهام جرّ ناقلات الغاز المسال الضخمة وتوجيهه في محطة التحميل والتفريغ، وهي عمليات حساسة تتطلّب مستويات عالية من الدقة والخبرة البحرية.

ومن المتوقّع تسليم القاطرة في النصف الأول من 2027، لتحلّ محل العديد من القاطرات المستوردة وتسهم في تقليل الاعتماد على الخدمات البحرية الأجنبية، حسبما أورد تقرير نشره موقع PortNews، المتخصّص في أخبار الموانئ والعمليات البحرية العالمية. وعندما تبدأ القاطرة عملها ستسهم مباشرة في خفض التكاليف التشغيلية لأساطيل الغاز المسال من خلال قنوات اقتصادية متداخلة عدة، فالمصادر المحلية للمواد والخدمات تقلّل بشكل جوهري من نفقات النقل والتأمين والجمارك التي تثقل كاهل العمليات التشغيلية، كما ستجنب السلطنة الرسوم الجمركية والضرائب المرتبطة بالاستيراد الدولي، وهو ما يعني توفيراً مباشراً في الميزانية التشغيلية السنوية، بحسب تقرير نشرته شركة “بيفوت إنترناشونال”، الاستشارية الأميركية المتخصصة في حلول التصنيع والتوريد المحلي وسلاسل الإمداد.

وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ “العربي الجديد”، إلى أنّ القاطرة البحرية المصنعة محلياً في عُمان تعد إضافة نوعية لقطاع الغاز الطبيعي المسال، وتمثل نقلة استراتيجية في الصناعة البحرية الوطنية، فبخلاف كونها أداة لوجستية داعمة للسفن والناقلات فإنها تلعب دوراً محورياً في توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة والخدمات الوسيطة والبحرية، حيث يبلغ المحتوى المحلي فيها نحو 50%، ما يعزز القيمة المضافة داخل الاقتصاد العماني. وتشكل هذه القاطرة رافعة صناعية جديدة، بحسب عايش، إذ تُسهم في تحويل الخدمات التشغيلية البحرية من مجرد عمليات صيانة إلى مراحل تصنيعية متقدمة، تدفع باتجاه بناء صناعات عالية القيمة.

ويعكس هذا النهج الاستثماري التراكمي رؤية طويلة الأمد تهدف إلى تعظيم الأثر الاقتصادي، وتعزيز جاهزية البنية التحتية الطاقية في مجال الغاز المسال، وفتح آفاق واسعة لبناء وتوطين القدرات الفنية في القطاع البحري، حسبما يرى عايش، مضيفاً أن صناعة القاطر تمثل شكلاً من أشكال التكامل بين الشركات العُمانية، من خلال التركيز على المحتوى الوطني واستقطاب التقنيات الحديثة، وتوفير فرص عمل نوعية للمواطنين.

كذلك تجسد هذه النقلة انتقالاً من مرحلة “صيانة السفن” إلى “بناء السفن”، وهو تحول يصفه عايش بالاستراتيجي، باعتباره يعكس الاستثمار في الصناعات المستقبلية، خاصة تلك المرتبطة بالطاقة. ومن الناحية التشغيلية، تؤدي القاطرة دوراً حيوياً في دعم سلامة النقل البحري للغاز، من خلال توجيه الناقلات الكبيرة، وسحب السفن داخل الموانئ الضيقة، والتدخل السريع في حالات الطوارئ الفنية أو البحرية، وبذلك تُسهم في ضمان استمرارية وموثوقية سلسلة توريد الغاز المسال العُماني، ما يعزّز مكانته مصدر طاقة موثوقاً في الأسواق العالمية، بحسب عايش.

وعلى المدى الطويل، من شأن البناء المحلي للقاطرة أن يسهم أيضاً في خفض تكاليف الصيانة والإصلاح بشكل كبير، إذ تشير الدراسات البحرية المتخصصة إلى أن القاطرات الحديثة التي تشغل أنظمة محلية مماثلة تخفض تكاليفها التشغيلية بنسبة تصل إلى 50% من نظيراتها التقليدية التي تعتمد على الديزل، وأن سلاسل الإمداد المحلية الأقصر تقلل من أوقات التسليم غير المتوقعة وتخفض مستويات المخزون الثقيلة، حسبما أورد تقرير نشرته شركة Pwc الاستشارية. كما أن التوفيرات التشغيلية من شأنها أن تحسن هوامش الربح لشركة عُمان للغاز المسال وتعزز من قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية والتطوير المستقبلي، بحسب تقرير نشرته شركة “شل”.

وفي سياق عماني محلي، من المرجح أن يترجم هذا الحجم من النشاط الصناعي إلى انتشار واسع للاستثمارات والعمالة عبر شبكة متنامية من المشاريع الصغيرة والمتوسطة والموردين المحليين، إذ أفاد تقرير نشرته شركة أسياد بأن إنفاقها المحلي في سنة 2025 وحدها بلغ حوالي 46 مليون ريال عُماني (نحو 120 مليون دولار)، من بينها 7.777 ملايين ريال موجهة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة مباشرة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى