بعد أكثر من عقدين على الحرب الكارثية على أفغانستان، ترامب يرتكب الأخطاء عينها

سايمون تيسدال – الغارديان” البريطانية:
تقرير لصحيفة “الغارديان” يحذّر من أن الحرب الأميركية على إيران تعيد تكرار الأخطاء الاستراتيجية التي رافقت التدخلين في أفغانستان والعراق.
مرت ذكرى 5 سنوات على الانسحاب الفوضوي للجيش الأميركي من أفغانستان، التي احتلتها الولايات المتحدة بدعم حلف “الناتو” إثر هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية على مدينة نيويورك وواشنطن العاصمة. والآن يوصف ذلك الغزو على نطاق واسع، على أنه كان فاشلاً، وكلف أكثر من 2,400 جندي أميركي ونحو 450 جندي إنكليزي، وعشرات الآلاف من المدنيين الأفغان مع أن العدد الدقيق للضحايا غير معروف. فعلى الرغم من هزيمة إرهابيي تنظيم “القاعدة”، لكن حركة طالبان تفرض حكماً قمعياً معادياً للنساء منذ استعادتهم السلطة في العام 2021.
لقد أصبحت أفغانستان مرادفاً للتدخل الغربي غير المدروس، ونموذجاً ل “الحرب الأبدية”، وهي عبارة صيغت لأول مرة خلال حرب فيتنام. وإذا كان لهذه الحكاية التحذيرية أي قيمة دائمة، فيفترض أن تشكل رادعاً للساسة والقادة العسكريين الذين قد يغريهم التهور في خوض صراعات مفتوحة لا نهاية لها دون سبب عادل، أو أهداف محددة قابلة للتحقيق، أو استراتيجية خروج.
ومن المؤسف أن درس الحرب الأبدية كان لا بد أن يُتعلَّم من جديد في العراق الذي غزته الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003، وانسحبتا منه عام 2011، بعد التسبب بأضرار هائلة مقابل “فائدة” ضئيلة. “لن يتكرر ذلك أبداً” كانت الصرخة المتحمسة آنذاك، بينما الآن يبدو أن النمط الكارثي يتكرر مرة أخرى إثر قرار دونالد ترامب غير المفهوم والبالغ الحماقة بمهاجمة إيران.
كان ترامب قد وصف حربه على إيران حين بدأها، بأنها ستكون “نزهة صغيرة”، بينما تدخل شهرها الـ 6، وتتصاعد بسرعة. فهي الأخرى تحمل طابع الحرب الأبدية، والكابوس ذاته يحدث مرة أخرى متحدياً كل منطق. فبعيداً عن الأسباب المباشرة للحرب، قد تجد الإجابات في المبالغات المستمرة والمفاهيم الخاطئة الأميركية حول مستوى ومدى التهديدات الخارجية، الممزوجة بعدم الأمانة السياسية، والغرور الوطني، والسذاجة، والمثالية الخاطئة، مما يذكر بالتجربة الأميركية المؤلمة في أفغانستان، التي يقول عنها الأكاديمي كارتر مالكاسيان، الذي عمل مستشاراً مدنياً للقوات الأميركية في هلمند وكابول، “أن الفرضية الأساسية للحفاظ على القوات في أفغانستان لمدة 20 عاماً، كانت الاعتقاد بأن البلاد ستعود لتكون ملاذاً آمناً للإرهاب الدولي، وهي فرضية كانت معيبة بشكل قاتل”.
لم يُنفذ أي عمل إرهابي ضد الولايات المتحدة من قبل مجموعة مقرها في أفغانستان، أو شيء من هذا القبيل خلال السنوات الـ 5 الماضية، حسب ما كتب مالكاسيان، عن أن واشنطن “أنفقت واشنطن حوالي تريليون دولار على الحرب، ونشرت أكثر من 775,000 من الجنود الأميركيين، لأجل الدفاع ضد تهديد اتضح أنه كان مبالغاً فيه. وبعد 5 سنوات على الانسحاب، يظهر أن الخطر الأكبر ليس أن يجد الإرهاب ملاذاً آمناً مرة أخرى في أفغانستان، بل إنه يأتي من خطر النسيان الجماعي، حيث المخاوف الآنية يجب أن تثير التكاليف الطويلة الأمد الرهيبة للحرب الأبدية التي لا تنتهي، على كافة المستويات البشرية، والمالية، والجيوسياسية”.
إذا كانت الحرب الأفغانية أُديرت على أساس افتراضي خاطئ، فإن غزو العراق الغني بالنفط كان أكثر خطأً، حيث ثبت عدم صحة مزاعم جورج دبليو بوش عام 2002، بأن نظام صدام حسين يمتلك مخزونات من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الجاهزة للاستخدام، وأنه يسعى لامتلاك قنبلة نووية. كما ثبت عدم صحة ادعاء نائب الرئيس آنذاك ديك تشيني، عن أن العراق “يدعم ويحمي” تنظيم “القاعدة”. وأصبح الاحتلال والتمرد اللاحقان من ضمن حرب أوسع نطاقاً لا نهاية لها، وهي “الحرب العالمية على الإرهاب” التي شنها الرئيس بوش.
ووفقاً لمشروع “تكاليف الحرب” التابع لجامعة “براون”، قُتل ما يقدر بنحو 940 ألف شخص في أعمال عنف مباشرة، ونحو 3.8 مليون شخص بشكل غير مباشر، بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وباكستان خلال 22 عاماً. وكل ذلك يسهل التشكيك في قرارات الحرب والسلام التي اتخذت تحت ضغط أحداث مروعة. أما السعي الخفي وراء أجندات سياسية وعسكرية وتجارية، والتلاعب بالمعلومات الاستخباراتية والرأي العام، فيصعب تبريره.
مع ذلك، هل هناك أي حرب قط شُنَّت دون دوافع خفية؟ الفيلم الجديد “الأوديسة” والمقتبس من ملحمة هوميروس الشعرية بالعنوان ذاته، يثير الآن تداعيات “حرب طروادة” التي دامت 10 سنوات، والتي اندلعت ظاهرياً بسبب اختطاف هيلين الجميلة من إسبرطة. ومع ذلك، وبشكل أكثر ابتذالًا، قد تكون الحرب قد دارت حول السيطرة على خطوط التجارة أكثر من كونها حول عذراء جميلة. فلقد زعمت الولايات المتحدة أنها خاضت حرب فيتنام لدعم الديمقراطية ووقف انتشار الشيوعية من ضمن “نظرية الدومينو” التي ثبت بطلانها، بينما كانت بدرجة كبيرة تتعلق بالاستثنائية الأميركية والهيمنة العالمية، حيث من هذه الناحية الآن، لم يتغير الكثير.
ما الذي يجعل السياسيين الأميركيين يخاطرون بتورط مكلف في حروب خارجية لا يستطيعون السيطرة عليها وعادة ما يخسرونها؟ هل هو عدم الأمان، أي الخوف هو العامل المشترك. فمثل بوش من قبله، يبالغ ترامب والإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشكل كبير وبوعي في إسباغ طابع الفوري والوجودي على التهديد الإيراني المزعوم. ومثل العراق في 2003، لا تمتلك إيران أسلحة نووية، ولا يوجد أي دليل قاطع على أنها تحاول، أو حاولت مؤخراً الحصول عليها. وهناك مفارقة متكررة هنا، وهو مشهد أقوى دولة في العالم تميل مرة أخرى بخوف إلى مطاردة الظلال.
كما أن عداء ترامب المتغطرس لجيرانه الأضعف مثل فنزويلا وكوبا وكولومبيا وبنما وغرينلاند يحمل أيضاً طابع الاستمرارية للأبد على المنوال ذاته. فالأمر متجذر في الأسطورة التأسيسية القائلة إن لدى الولايات المتحدة مهمة فريدة محقة في الإشراف على نصف الكرة الغربي، وهي امتدت لاحقاً إلى الإشراف على بقية العالم. وبالمثل، فإن الجشع أبدي، حيث يتخلى ترامب عن شعارات نشر الديمقراطية، ويسعى إلى ممارسة الهيمنة الاقتصادية، بالإضافة إلى الجيوسياسية، وتحقيق مكاسب مالية من الحروب في أوكرانيا وغزة، وهو يركز في اهتمامه على مضيق هرمز ليُظهر كيف تتقاطع سياسة الأمن والمصالح المالية والتجارية دائماً.
مثل هذا السلوك المتطرف يسلط الضوء على جانب خبيث آخر من ظاهرة الحرب التي لا تنتهي. وعدم جدواها المطلق أمر غير أخلاقي في جوهره، وفي لا معقوليتها الصارخة تسيء إلى قوانين الله والإنسان. الحرب بلا نهاية هي موت الأمل. وبينما يتخبط ترامب في دوامة الصراع مع إيران، يتضح جلياً أنه يدرك الهاوية التي تتأرجح الولايات المتحدة على حافتها بسببه، ولا يدري كيف يتجنبها. يوماً يتحدث عن المفاوضات، وفي اليوم التالي يشن هجوماً عنيفاً دموياً واسع النطاق، غير آبه بمعاناة الشعوب.
تائهاً في متاهة الإنكار، يحاول ترامب عبثاً الخروج من مأزقه بالقصف، بينما يتوق بشدة إلى اتفاق يمكن تسويقه على أنه نصر. لن ينجح أي من الخيارين، وهذه الحرب على إيران، الكارثية المروعة، تُلقي بظلالها فعلياً على رئاسة ترامب، حيث إن العار والدماء والندم إن لم تكن الحرب نفسها فستبقى خالدة.




