رأي

«بريكس» والتوازن العالمي

كتب يونس السيد, في الخليج:

بعيداً عن الضغوط الأمريكية وحرب الرسوم الجمركية التي أشعلها الرئيس ترامب، نجحت قمة «بريكس» السابعة عشرة التي عقدت مؤخراً في ريو دي جانيرو البرازيلية في تكريس نفسها كقوة اقتصادية صاعدة تعمل على إعادة التوازن للنظام على قاعدة التعاون بدلاً من المواجهة.
صحيح أن هناك الكثير من المعوقات التي لا تزال تعترض طريقها في إحداث التغيير المطلوب والتخلص من هيمنة الأحادية القطبية لصالح عالم متعدد الأقطاب أكثر شمولية وعدالة، إلا أنها حافظت على المسار والمبادئ التي انتهجتها بعيداً عن المعسكرات وحالات الاستقطاب وحتى التهديدات لثنيها عن القيام بالدور الذي تريد أن تلعبه في تغيير وإصلاح النظام العالمي. هذا ما يمكن ملاحظته في البيان الختامي الصادر عن القمة، لجهة الالتزام بتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب من أجل حوكمة أكثر شمولاً واستدامة، في ضوء المحاور الرئيسية التي تمت مناقشتها والتي تشمل قضايا الحوكمة الاقتصادية العالمية، والابتكار والتكنولوجيا، والتنمية المستدامة والمناخ. ولعل الملاحظة الأبرز تكمن في معارضة الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على شركاء واشنطن التجاريين، من دون رفع راية التحدي أو الاستفزاز باعتبار أن هذه الرسوم غير قانونية وتعسفية، وتُهدد «بالحد من التجارة العالمية بشكل إضافي، وتعطيل سلاسل التوريد، وإدخال حالة من عدم اليقين إلى الأنشطة الاقتصادية والتجارية الدولية».
اللافت في هذه القمة أنها ردت على تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% على البلدان التي تتبنى سياسات دول المجموعة بذريعة واهية هي معاداتها لأمريكا، بالكثير من الحكمة والتعقل، مشددة على أنها لا تسعى إلى المواجهة مع الولايات المتحدة، بل تركت الباب مفتوحاً أمام إمكانية التوصل إلى حلول، خصوصاً وأن بعض أعضاء المجموعة منخرطين في مفاوضات مع واشنطن. وأكدت في الوقت ذاته أن الحروب التجارية والجمركية لا رابح فيها، وأن «الحمائية» لا تسمح بالتقدم، مشددة على أن دول بريكس «تدعو إلى الانفتاح والتعاون الذي يكون الجميع فيها رابحاً»، مؤكدة أن المجموعة «لا تعمد إلى المواجهة بين المعسكرات ولا تستهدف أي بلد».
في كل الأحوال، يحسب لقمة «بريكس» الأخيرة، التي عقدت بغياب الرئيسين الصيني والروسي، وهما عضوين مؤثرين في المجموعة، وفي ظروف استثنائية مشوبة بالتوتر العالمي، أنها سجلت حضوراً لافتاً في الساحة الدولية، وأبقت الأبواب مفتوحة أمام إمكانية إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي بعيداً عن مراكز الهيمنة والنفوذ، وبما يسمح بإصلاح تدريجي للنظام العالمي برمته، بما في ذلك الأمم المتحدة والنظام المالي العالمي.
وفي حقيقة الأمر، لا يمكن الاستهانة بثقل دول المجموعة التي تمثل نحو نصف سكان العالم و40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وربع التجارة الدولية، وأكثر من 70% من المخزون العالمي من المعادن النادرة، و43% من ناتج النفط، أو استبعادها عن صياغة الرؤى لعالم متعدد الأقطاب أكثر عدلاً وشمولية، وبالتالي تحقيق التوازن العالمي والأهداف التي أنشئت من أجلها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى