بريطانيا تصعد درجة في استعداء إيران: عجز أوروبي عن كبح أزمة «هرمز»

سعيد محمد – الأخبار:
جاء تصنيف بريطانيا، «الحرس الثوري»، منظّمة «إرهابية»، ليضيف بعداً جديداً إلى أبعاد الأزمة الغربية مع إيران، في حين تسود العواصمَ الأوروبية حال تأهّب قصوى خشية خروج الصراع في مضيق هرمز عن السيطرة.
اتخذت الحكومة البريطانية برئاسة كير ستارمر، في أيامها الأخيرة في السلطة، قراراً عدوانياً جديداً يقضي بتصنيف «الحرس الثوري الإيراني» منظّمة «إرهابية» محظورة. وإذ يأتي هذا القرار تطبيقاً لتعهّدات سابقة كانت أعلنتها لندن، في نيسان/ أبريل الماضي، فهو يجعل تقديم الدعم أو الترويج لهذه المنظمة جريمة يعاقب عليها القانون الملكي. وقالت وزيرة الأمن البريطانية، أنجيلا إيغل، إن المملكة المتحدة أدرجت «الحرس»، إضافة إلى «حركة أنصار اليمين» المعروفة باسم «أصحاب اليمين»، تحت طائلة قانون الأمن القومي الجديد الخاص بمواجهة تهديدات الدول. وادّعت إيغل، في بيان، أن «الحرس» يقف وراء توجيه سبعة اعتداءات استهدفت مواقع بريطانية مرتبطة بالجاليات اليهودية، ومؤسّسات إعلامية إسرائيلية وأخرى ناطقة باللغة الفارسية، وهي عمليات تبنّتها شبكة «أصحاب اليمين»، التي تزعم الأجهزة الأمنية البريطانية أنها واجهة مستحدثة تستخدمها إيران لتنفيذ هجمات بالوكالة، مع الحفاظ على مساحة من الإنكار الدبلوماسي.
ويمنح القانون الجديد، الذي يُتوقّع حصوله على تصديق البرلمان البريطاني خلال الأيام القليلة المقبلة -قبيل انتقال السلطة رسمياً من ستارمر إلى أندي بورنهام الإثنين القادم-، الأجهزة الأمنية والقضائية صلاحيات واسعة للتحقيق مع الأفراد المرتبطين بالكيانات المشار إليها، ومصادرة أصولهم المالية، وتوجيه تهم جنائية ثقيلة تصل عقوبتها إلى السجن المؤبد إلى أيّ شخص يَثبت تورطه في تقديم تسهيلات أو دعم لوجستي أو مالي للمنظّمات المصنّفة «إرهابية» -وهو ما يشمل الأنشطة الإلكترونية وحملات الترويج الرقمي التي تنشط في فضاء الإنترنت البريطاني -. وحظيت هذه الخطوة بترحيب واسع من قوى المعارضة الإيرانية والجهات الداعمة لإسرائيل، التي كانت ضغطت لسنوات من أجل تحقيق ذلك التصنيف، في حين تجنّبته الحكومات البريطانية المتعاقبة، بدعوى عجز التشريعات السابقة عن التعامل مع الكيانات الرسمية التابعة للدول.
استندت إدارة ستارمر، في قرارها، إلى «قانون الأمن القومي» (تهديدات الدول) الذي أقرّه البرلمان
واستندت إدارة ستارمر، في قرارها، إلى «قانون الأمن القومي» (تهديدات الدول) الذي أقرّه البرلمان وحظي بموافقة ملكية بسرعة فائقة خلال شهر واحد فقط. ويتيح هذا التشريع الجديد للوزراء معاملة بعض الأذرع العسكرية والأمنية للدول الأجنبية بالطريقة ذاتها التي تُعامَل بها المنظّمات «الإرهابية» المستقلّة. وتتوافق هذه الخطوة مع قرارات الاتحاد الأوروبي الذي حظر «الحرس الثوري» في شباط/ فبراير الماضي، ودعا إلى معاقبة المتورّطين في ما سمّاها «أعمالاً تخريبية» لصالح تلك المؤسسة بالسجن مدى الحياة. وعقب صدور القرار البريطاني، أعلن ستارمر عزم حكومته إبقاء بريطانيا «ساحة آمنة بعيدة عن تأثير الدول»، التي ادّعى أنها تنشر «الخوف والانقسام والعنف في شوارع المملكة». وأشار إلى أن «هذه القوانين الجديدة تسهم في تسهيل ملاحقة ومحاكمة ومعاقبة كلّ من ينفذ أعمالاً عدائية على الأراضي البريطانية». ومن جهته، رحّب روجر ماكميلان، المسؤول السابق عن الأمن في قناة «إيران إنترناشيونال» التلفزيونية المعارضة للنظام الإيراني، بالقرار، برغم انتقاده للبطء الشديد الذي شاب عملية اتّخاذه. واعتبر ماكميلان، وفق ما نقلت عنه صحف لندن، أن «المعركة الحقيقية تتركّز الآن على مواجهة الشبكات المحيطة بالحرس الثوري، مثل الجمعيات الخيرية الواجهة، والمراكز الإسلامية والتعليمية التي تنشر أيديولوجيته في المجتمعات البريطانية، إضافة إلى وسائل الإعلام الرقمية والمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي الذين يروّجون لسياسات طهران».
ويمثّل هذا القرار انعطافة رئيسة في السياسة الخارجية البريطانية تجاه إيران؛ فخلال السنوات الماضية، قاومت وزارة الخارجية ضغوطاً هائلة من نواب يمينيين في البرلمان ومن الولايات المتحدة، لتصنيف «الحرس» منظمة «إرهابية»، وذلك خوفاً من قطع القنوات الدبلوماسية بالكامل مع طهران، وإغلاق سفارة لندن هناك. لكن تصاعد ما تزعم السلطات أنه تهديد أمني مباشر على الأراضي البريطانية، فرض واقعاً جديداً دفع حكومة ستارمر إلى استخدام أدوات قانونية مستحدثة تتجاوز العقبات الدبلوماسية التقليدية. ومن المتوقّع أن يؤدي هذا التصنيف إلى زيادة الضغوط على الحلفاء الأوروبيين الآخرين لاتخاذ خطوات مماثلة، في حين تأمل لندن أن يسهم إجراؤها الجديد في تعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة ومع بقية الشركاء داخل «حلف شمال الأطلسي» (الناتو).
في سياق متصل، أصدر وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا، المعروفون بمجموعة «الثلاثي الأوروبي» (E3)، بياناً مشتركاً دانوا فيه الهجمات الإيرانية على السفن التجارية في مضيق هرمز وعلى دول الخليج، مطالبين بالعودة الفورية إلى التهدئة التي تمّ التوصّل إليها في أوائل شهر نيسان/ أبريل الماضي، واستئناف المفاوضات الهادفة إلى إنهاء الصراع بشكل دائم. وتَعتبر الدول الأوروبية أن استقرار الملاحة في المضيق يمثّل أولوية قصوى لأمن الطاقة العالمي وسلاسل الإمداد الدولية، موقنةً أن أيّ اضطراب في هذه المنطقة سيؤدّي إلى عواقب وخيمة على الاقتصاد الأوروبي الذي يعاني بالفعل من ضغوط تضخمية -وهو ما سارعت إلى التحذير منه الشركات الملاحية الأوروبية التي أبدت قلقاً بالغاً من تداعيات فرض حصار بحري متبادل-. كما ترى الدبلوماسية الأوروبية أن الاتفاق المؤقّت الذي تمّ التوصّل إليه سابقاً كان يمثّل الفرصة الأفضل لتجنّب حرب شاملة في المنطقة، وأن تقويضه -الذي تحمّل مسؤوليته لإيران- يهدّد بنسف الجهود الدبلوماسية المستمرّة لحلّ الملف النووي الإيراني. ومن هنا، تسعى برلين وباريس خصوصاً إلى إيجاد صيغة متوازنة تضمن أمن الملاحة عبر آليات أمنية متعدّدة الأطراف، وتمنع الانزلاق نحو مواجهة عسكرية كبرى قد تفرض على أوروبا اتخاذ مواقف أكثر راديكالية وتكلفة من الناحية الاقتصادية والسياسية. وبحسب مصادر دبلوماسية في باريس وبرلين، فإن الاتصالات المستمرّة بين القادة الأوروبيين تركّز حالياً على دعم الوساطات الإقليمية، خاصة تلك التي تقودها مسقط والدوحة، لتقريب وجهات النظر وإعادة الطرفَين إلى طاولة المفاوضات.




