بريطانيا تتمرد على إسرائيل ولكن..

في الثامن من شهر سبتمبر الحالي أعلن وزير الخارجية البريطاني «إد ميليباند» عن حزمة إجراءات استهدفت المستوطنات في إسرائيل، تحظر استيراد سلع المستوطنات مثل (التمور، زيت الزيتون، النبيذ، المنتجات الزراعية) وفرض عقوبات على شركات وأفراد يقدمون خدمات البناء والبنية التحتىة والتمويل والعقارات للتوسع الاستيطاني، كذلك حظر الإعلان عن أراضٍ وعقارات في المستوطنات، بالإضافة إلى توسيع عقوبات حقوق الإنسان ضد المستوطنين المتطرفين، ورفض تراخيص تصدير جديدة تساهم مادياً في الاحتلال.
يأتي القرار بعد توحش عدوان المستوطنين على الفلسطينيين في البلدات والقري الفلسطينية في الضفة الغربية بشكل يومي وترهيبهم وترحيلهم من بيوتهم وحرق ممتلكاتهم ليجدوا لهم موطئ قدم في تلك المناطق وإنشاء بؤر استيطانية جديدة، في هجمة غير مسبوقة من عنف المستوطنين المنظمة تحت حماية الجيش الإسرائيلي.
الإجراءات تدخل حيز التنفيذ خلال 6-9 أشهر، وبريطانيا تبنت رسمياً رأي محكمة العدل الدولية لعام 2024 بأن الاحتلال غير قانوني، وانضمت 11 دولة في بيان مشترك، منها كندا وفرنسا وإسبانيا والنرويج والدنمارك والسويد وبولندا والبرتغال، وحتى الآن التزمت بريطانيا وفرنسا وكندا بحظر فعلى، فيما رفضت الولايات المتحدة المشاركة بطبيعة الحال. ما أزعج إسرائيل، وهجومها الشرس على بريطانيا أن ميليباند ذهب أبعد من الحظر التجاري، وقال: «إن الحكومة البريطانية توافق على أن هناك تطهيراً عرقياً في مناطق من الضفة الغربية على يد مستوطنين إرهابيين»، وأن الحكومة الإسرائيلية «تغض الطرف وأعضاء فيها يدعمون التهجير القسري».
ربما يكون القرار رمزياً اقتصادياً، لكن أثره السياسي واضح، عزلة أعمق لإسرائيل من حلفاء غربيين تقليديين، أما تغيير سياسة الاستيطان، أو كبح عنف المستوطنين فالتاريخ القريب يقول إن الضغط الأوروبي وحده لا يكفي، بينما الضغط الأمريكي ينتج خطوات محدودة غالباً ما تكون تجميلية ليس إلا.
لقد سارعت إسرائيل بالرد الانتقامي حين وصف وزير الخارجية جدعون ساعر، بالتنسيق مع نتنياهو، القرار ب«مشوه أخلاقياً»! و«تدخل سافر في الشئون السياسية وفي العملية الانتخابية»، إذ تواجه إسرائيل انتخابات في 27 أكتوبر المقبل. ولم تكتفِ بذلك، بل قامت بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وطرد ممثلي بريطانيا من مركز التنسيق حول غزة، وإنهاء تدريب قوات الأمن الفلسطينية، بالإضافة إلى منع 12 سياسياً بريطانياً من الدخول، كذلك رفض المعسكر الوسطي الإسرائيلي القرار، متذرعاً بأن الضغط الأوروبي في موسم الانتخابات يميل إلى تعزيز خطاب العالم ضد إسرائيل، لا إلى دفع الحكومة نحو الاعتدال، فهاجم يائير لابيد، رئيس الحكومة السابق، لندن متهماً إياها بأنها تساعد سموتريتش انتخابياً.
رغم الصخب السياسي الذي نتج عن قرار بريطانيا والدول الأوروبية ضد المستوطنات والمستوطنين المتطرفين الإرهابيين، إلا أنه لا يوجد مؤشر على تغيير الحكومة سياسة الاستيطان، فالائتلاف الحالي مبني على اليمين الديني- الاستيطاني، بتسلئيل سموترتش (وزير المالية والمسئول عن الإدارة المدنية في الضفة الغربية) وإيتمار بن غفير لا يقبلان مساومة على الاستيطان، أي رضوخ أوروبي حقيقي يهدد تماسك الحكومة.
لذا فإن استجابة إسرائيل للضغط الأوروبي على عنف المستوطنين ضعيفة جداً، وجزئية وترقيعية للضغط الأمريكي، لكن ما يميز أوروبا عن أمريكا، هو ما يحدث على أرض الواقع من أفعال لا أقوال، مثلاً: قبل أيام قليلة من الحظر البريطاني أمر نتنياهو بتفكيك بعض البؤر غير المرخصة في المنطقتين A، B، بعد ضغط أمريكي، السفير «مايك هكابي» وهو داعم تقليدي للمستوطنات وصف المستوطنين العنيفين «بالإرهابيين» بعد لقاء مع فلسطينيين أمريكيين في ترمسعيا بالضفة الغربية، والمحكمة العلىا الإسرائيلية في اليوم نفسه وبّخت الجيش والشرطة ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، لفشلهم في مواجهة العنف، وأمرت بتمكين سكان فلسطينيين في قرية جلود من العودة إلى منازل استولي عليها مستوطنون. في المقابل فإن أوروبا تُعامَل كخصم سياسي، والرد انتقام رمزي مثل إغلاق القنصلية ومنع دخول سياسيين.
ماذا يعني ذلك عملياً على القرار الإسرائيلي الآن؟ لا يُتوقع تجميد استيطان أو محاسبة جدية للمستوطنين بسبب الحظر الأوروبي، والرد سيكون دبلوماسياً عقابياً، وربما تسريع وقائع على الأرض قبل انتخابات أكتوبر، مناقصة E1 مثالاً، إن خسر نتنياهو الانتخابات قد يتغير الأسلوب لا العقيدة الاستيطانية الواسعة في اليمين والوسط الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر 2023، فمثلاً «غادي ايزنكوت» المرشح البارز في الانتخابات الإسرائيلية القادمة، وصف حل الدولتين بعد 7 أكتوبر ب«وهم» مع انتقاده E1 كخطأ دبلوماسي فقط.
للأسف الضغط الأوروبي هنا مقارنة بالضغط الأمريكي يوثق ويعزل ولا يردع، بينما الضغط الأمريكي ينتزع إشارات (تفكيك بؤر محدودة، خطاب هكابي) دون كسر منظومة الإفلات من العقاب. وما دام هناك وزراء في الحكومة الإسرائيلية يمولون البؤر الاستيطانية، ويصفون القري الفلسطينية بأنها يجب أن تشبه مخيمات جنين وطول كرم، فالاعتداءات ستبقي أداة توسيع استيطاني لا انفلاتاً أمنياً. الخطر قائم ومتصاعد، فالعنف يومي والعلىات العسكرية في المخيمات متراكمة ومستمرة منذ 2023، فضلاً عن عشرات التجمعات التي اختفت أو تقلصت، وأكثر من 30 ألف نازح من المخيمات ما زالوا خارج بيوتهم، وكل شهر إضافي بدون ردع يجعل العودة أصعب والضم الزاحف أقرب إلى الواقع.
إن الحظر البريطاني- الأوروبي مهم ككسر رمزي من حلفاء تاريخيين، وكبداية مسار عقوبات على الخدمات والتمويل، لكنه بمفرده لا يغير حسابات ائتلاف يري في الضفة الغربية مشروعاً سيادياً، وفي الضغط الغربي مادة انتخابية. التغيير إن حصل سيكون مزيجاً من عدة عوامل: ضغط أمريكي مستمر، كلفة اقتصادية تتوسع إلى السوق الأوروبية الأوسع، وتحوُّل سياسي داخلي إسرائيلي بعد الانتخابات، لا من بيان 12 دولة وحده.




