رأي

انشقاقات الدعم السريع ومستقبل الحرب في السودان

ثابت العمور – الميادين:

الحرب السودانية الراهنة مرحلةٌ مفصليةٌ تشهد تآكلَ تماسك قوات الدعم السريع عبر الانشقاقات، مقابل تعزيز موقع الجيش، مع بقاء مستقبل الصراع مرتبطًا بين احتمال الحسم أو الانزلاق إلى صراعات داخلية أوسع.

متغير جديد شهدته حرب الفرقاء الدائرة في السودان منذ نيسان/أبريل 2023؛ هو تدحرج الانشقاقات بين قوات الدعم السريع، وانضمام عناصرها إلى قوات الجيش السوداني؛ وبات التساؤل: لماذا حدثت الانشقاقات في قوات الدعم السريع؟ ما أسبابها وتداعياتها وتأثيراتها في مستقبل الحرب الدائرة في السودان؟

في صراع نتيجته العسكرية صفرية، وفي توقيت أعلنت فيه القوات المسلحة السودانية سيطرتها على مناطق جديدة في ولاية شمال كردفان وعدد من الطائرات المسيرة التابعة للدعم السريع، كانت هناك مجموعة جديدة تضم نحو 45 مقاتلًا من قوات الدعم السريع تُعلن انشقاقها وانضمامها إلى الجيش في 31 تموز/يوليو 2026، وشملت المجموعة المنشقة، إضافةً إلى عتاد جنودها، مركبات عسكرية حديثة وأسلحة ثقيلة، إلى جانب عدد من القيادات العسكرية، أبرزهم عثمان النور، ويونس إدريس، وعلي الزين، وهم من كبار قادة الدعم السريع القادمين من مدينة بارا بولاية شمال كردفان.

لم يكن هذا هو الانشقاق الوحيد، ووفق المعطيات لن يكون الأخير، ففي 23 تموز/يوليو 2026، انشقت مجموعة تضم 280 مقاتلًا من قوات الدعم السريع، بينهم قادة ميدانيون، وأعلنت انحيازها إلى الجيش السوداني، ووصلت إلى الخرطوم في عملية وُصفت بالسرية.

انشقاقات قوات الدعم السريع ليست وليدة اللحظة، فمنذ عامين والانشقاقات تتمدد، وقد انشق عدد من القيادات الميدانية وانضموا إلى قوات الجيش، بل إن بعض التشكيلات العسكرية غيرت ولاءاتها وانقلبت عن تحالفاتها مع قوات الدعم السريع. وكانت أبرز التحولات قد حدثت في تشرين الأول/أكتوبر 2024؛ عندما أعلن قائد قوات “درع السودان” اللواء أبو عاقلة كيكل إنهاء تحالفه مع قوات الدعم السريع والانضمام إلى الجيش.

وقد شهد عام 2026 جملة انشقاقات وخروج لقيادات بارزة، منها العميد علي رزق الله، المعروف بـ”السافنا”، الذي انشق عن قوات الدعم السريع وانضم إلى الجيش، وكذلك اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ”النور القبة”، والذي يعد أبرز القادة الميدانيين في معارك الفاشر، والذي انضم إلى الجيش في نيسان/أبريل 2026؛ ثم تبعه القائد الميداني بشارة الهويرة، الذي غادر صفوف “قوات الدعم السريع” في شمال كردفان.

يُذكر أن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان كان قد أعلن أن كل من يترك القتال وينضم إلى جانب الدولة يمكن مراجعة أمره، الأمر الذي عزز تدحرج الانشقاقات في صفوف قوات الدعم السريع، وكان بمنزلة تحول في مسارات الصراع الدائر، معلنًا مرحلة جديدة من حرب الفرقاء، أبرز ملامحها تفكك قوات الدعم السريع وانشقاقها مقابل تماسك الجيش وحفاظه على وحدته الداخلية وعلاقاته بالحاضنة الشعبية، مقابل تآكل حضور حاضنة قوات الدعم السريع.

إن الانشقاقات الحاصلة في قوات الدعم السريع لا تكمن أهميتها في عدد المقاتلين المنضمين إلى الجيش ونوعيتهم ورتبتهم فحسب، بل في دلالاتها على تغير المزاج داخل تلك القوات، وخصوصاً العاملة في كردفان، إذ يرتبط استمرار العمليات العسكرية بالقدرة على تأمين طرق الإمداد بين دارفور ووسط السودان.

وبالتالي فإن أي انشقاقات في هذه المناطق سيكون لها تأثير يتجاوز بعدها العددي إلى بعدها اللوجستي والعسكري. واستمرار الانشقاقات يعني أن مخططات الدعم السريع بأخذ السودان إلى الفلتان والتمرد قد فشلت وتراجعت، وباتت قريبة من الانتهاء والتلاشي، وهذا سيكون له ارتداداته وتداعياته على مستقبل الحرب الدائرة في السودان.

تعددت أسباب الانشقاقات، لكنها تنتهي كلها عند نتيجة مفادها أن الجيش السوداني نجح في استراتيجية مواجهة التمرد الذي قادته مليشيات الدعم السريع، وأنه لا يمكن لأي مليشيا مهما تلقت من دعم وتمويل أن تهزم الجيش الشعبي في البلاد؛ لأنه بينما كان الجيش يقاتل للدفاع عن البلاد والعباد، كانت ميليشيا الدعم السريع تقاتل لمصالحها، وأنه بينما كانت قوات الدعم السريع ترتكب جرائم حرب وجرائم إبادة، كان الجيش السوداني يحتوي الحاضنة الشعبية. وبينما كان الجيش السوداني يقاتل بما لديه وما تبقى من مقدرات وإمكانيات محلية ووطنية، كانت قوات الدعم السريع تتلقى الدعم الخارجي من العتاد والمعدات والتسليح بواسطة الجسور الجوية بهدف استنزاف الجيش وتفكيك السودان.

إن مسارات الحرب الدائرة في السودان واستشراف مآلاتها لم يعد متوقفًا على الانشقاقات فقط، بل تدحرج إلى الاستقالات. ففي 17 حزيران/يونيو 2026؛ أعلن أبرز قيادات تحالف “تأسيس”، فارس النور، استقالته من جميع مناصبه في قوات الدعم السريع والتحالف السياسي الداعم لها، ولا تنبع أهمية هذه الاستقالة من الموقع الذي كان الرجل يشغله داخل التحالف، وقد كان الرجل عضوًا في المجلس الرئاسي لتحالف “تأسيس”؛ وعُيّن حاكمًا لإقليم الخرطوم، وعمل مستشارًا لقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وكان أحد أبرز أعضاء وفد التفاوض الممثل لقوات الدعم السريع في محادثات جدة عام 2023. وكان يُنظر إليه كأحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بالمشروع السياسي الذي سعت قوات الدعم السريع إلى بنائه بالتوازي مع نشاطها العسكري، وهذا ما يمنح استقالته أبعادًا سياسية تتجاوز التأثيرات العسكرية المباشرة.

تدحرج الانشقاقات داخل مليشيات الدعم السريع وتمددها لتشمل قيادات ميدانية، سيكون له تبعاته وتداعياته على مسار الحرب ومستقبلها في السودان. لا يعتمد هذا التقدير على حجم التأثير أو عدد المنشقين ومواقعهم وقدرتهم على سحب قواتهم وعتادهم معهم، ولكن على أن الانشقاقات تتسع، لا سيما في الأشهر الأخيرة، وهو ما يعني ضعف التماسك الهيكلي والبنيوي داخل قوات الدعم السريع، ما سيؤدي إلى تراجع التنسيق بين مكوناته وقياداته، وتسلل الشك بين القادة والمقاتلين، وخسارة معدات وقوات مقابل سيطرة الجيش عليها، لأن أي تفكيك لقوات الدعم السريع يعني سيطرة الجيش على تلك الجبهة.
صحيح أن هذا لا يعني أن الحرب شارفت على الانتهاء والحسم السريع، لكنه يعني أن حيثيات الحرب قد اختلفت، وأنه بينما يتماسك الجيش تتفكك قوات الدعم السريع، وبينما ترتفع معنويات الجيش تتهاوى معنويات قوات الدعم السريع.

الانشقاقات في قوات الدعم السريع تتمدد، لكنها حتى اللحظة عبارة عن انشقاقات فردية، حتى وإن كانت قيادية. استمرارها سيؤثر في مسارات الحرب، لكن ليس الانشقاقات وحدها هي من ستنهي الحرب، هناك عوامل أخرى مؤثرة مثل القدرة على تعويض الكادر البشري، وتنظيم الصفوف، وحجم قوات الدعم السريع المتبقية، وخطوط الإمداد، والدعم الخارجي من خلال الجسور الجوية، وصورة ورواية الدعم السريع التي تآكلت في الداخل والخارج نتيجة الجرائم التي يرتكبها.

تصاعد الانشقاقات في قوات الدعم السريع يعني أن الأمر ليس مجرد حوادث عابرة وتقديرات شخصية، حتى وإن بدت فردية. على المدى، سيصبح الأمر، إذا استمر، استنزافًا وتآكلًا يتمدد في بنية وهيكلية قوات الدعم السريع، ولا سيما أن بعض الانشقاقات الحاصلة مبنية على أبعاد وخلفية قبلية، ما يعني أن إسنادًا وظهيرًا اجتماعيًا أغلق أبوابه أمام قوات الدعم السريع، لأن الولاءات للقبيلة والمصالح والحسابات لا للقضية أو الصف الذي تقف فيه، وهذا سيفضي إلى استنزاف ونزيف بشري كبير في قوات الدعم السريع التي تعتمد على التحالفات القبلية والعشائرية، عكس الجيش الذي يعتمد على العقيدة العسكرية والولاءات الوطنية.

إضافة إلى الانشقاقات، يلاحظ تآكل الحاضنة الشعبية، ذلك أن الانتهاكات الواسعة والبشعة التي قامت بها قوات الدعم السريع ضد المدنيين أفضت إلى حالة من الرفض الشعبي والعزلة السياسية، وهو ما دفع بعض القيادات المتعلمة أو السياسية المحسوبة أو القريبة من قوات الدعم السريع إلى القفز من السفينة لحماية أنفسهم من الملاحقات الدولية والعقوبات.

الانشقاقات في الدعم السريع لن تحسم الحرب سريعًا وفورًا، لكنها ستؤثر ميدانيًا ومعنويًا لمصلحة الجيش السوداني؛ لكنها أيضًا لها وجه آخر مسكوت عنه، وهو أن تفتيت قوات الدعم السريع وتفكيكها إلى مجموعات وقادة حرب محليين سيُفضي إلى صراع متعدد الأطراف يصعب السيطرة عليه أو وضع حد له، ولا يمكن التنبؤ بمآلاته.

وبالتالي، بدلًا من اقتصار الحرب في المواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع، قد تصبح حربًا أهلية تُدخل السودان في صراعات محلية وجهوية وقبلية جديدة على الموارد والسلطة.

ختامًا، لا يمكن للدول أن تعول على الميليشيات، لأنها عند لحظة معينة لضعف الدولة أو انشغالها ستنقض هذه المليشيات على الدولة وجيشها، وهذا عين ما يحدث في السودان. أما الانشقاقات المتتالية في قوات الدعم السريع، فإنها تُظهر أن المراهنة على المليشيات، سواء كان ذلك داخليًا أو خارجيًا، لحسم الصراع يعني أن النتيجة صفرية؛ لأن هذه المليشيات غالبًا تنتهي إلى الانشقاقات والانقسامات، بل ربما والاستدارة للاقتتال فيما بينها.

إن السودان اليوم يقف بين مسارين لا ثالث لهما: إما أن تتمدد الانقسامات في قوات الدعم السريع وتتدحرج، وبالتالي يُحسم الصراع لمصلحة الجيش والدولة، وإما أنها ستفضي إلى مرحلة جديدة من الصراعات والحرب الأهلية اللامركزية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى