انتخابات ألمانيا المحلية: نهاية مبكرة لعهد ميرتس

سعيد محمد – الأخبار:
تضع انتخابات ساكسونيا-أنهالت ألمانيا أمام اختبار سياسي حاسم، مع تصدّر «البديل» استطلاعات الرأي، بما يهدد نفوذ ميرتس ويكشف عمق الانقسام بين شرق البلاد وغربها.
تشهد ولاية ساكسونيا – أنهالت الألمانية، غداً الأحد، تصويتاً إقليمياً يفوق في رمزيته وثقله السياسي حجم الولاية -التي يبلغ عدد سكّانها نحو مليونَي نسمة-، وذلك بعدما وضعت استطلاعات الرأي حزب «البديل من أجل ألمانيا» فوق حاجز الأربعين في المئة من الأصوات. وبهذه النتيجة المتوقّعة، يتقدّم «البديل» بفارق واسع على «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الحاكم، الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمال قيادة أقصى اليمين إحدى حكومات الولايات، للمرّة الأولى منذ تأسيس الجمهورية الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية.
وتأتي انتخابات ساكسونيا – أنهالت بعد عام ونصف العام تقريباً من الانتخابات العامّة الأخيرة التي أوصلت ميرتس إلى المستشارية على رأس حكومة ائتلافية مع «الاشتراكيين الديمقراطيين»، وذلك عقب حصول تحالف «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» و«الاتحاد الاجتماعي المسيحي» على 28.5 في المئة من الأصوات، في مقابل 20.8 في المئة لحزب «البديل» الذي ضاعف كتلته البرلمانية وحصد 152 مقعداً. وكشفت خريطة التصويت يومها انقساماً إقليمياً عميقاً، خصوصاً مع تصدّر اليمين القومي الولايات الشرقية الخمس التي كانت تشكّل جمهورية ألمانيا الديمقراطية ذات النظام الاشتراكي.
اليوم، يخوض ميرتس هذا الامتحان محروماً من رصيد شعبي يحميه داخل حزبه، بعدما أظهر أحدث استطلاع رأي رضى 13 في المئة من المواطنين فقط عن أدائه، مقابل استياء 83 في المئة منهم. كما يواجه «الاتحاد الديمقراطي» سلسلة استحقاقات انتخابية في الولايات الشرقية تشمل مكلنبورغ – فوربومرن وبرلين خلال أيلول الحالي، ثمّ استحقاقات إضافية في 2027، بما يجعل أيّ هزيمة كبيرة في ساكسونيا-أنهالت بداية عملية تراكمية قد تنتهي بتغيير المستشار أو إعادة ترتيب قيادة الحزب المحافظ.
أمام ميرتس الآن مساران انتخابيان يقودان معاً إلى خسارته؛ فأغلبية برلمانية لحزب «البديل» ستدمغ الرجل بوصفه المستشار الذي شهد انتقال اليمين المتطرّف إلى الحكم المحلّي، بينما يفرض فوز حزب اليمين بأكبر كتلة مع بقائه تحت عتبة الأغلبية، على «الديمقراطيين المسيحيين»، تشكيل حكومة مع «الاشتراكيين» و«الخضر» تعتمد في بقائها على أصوات اليسار. ومن شأن ذلك بالطبع أن يمنح اليمين مادة إضافية لتصوير القوى التقليدية كتجمع واحد يتبادل المواقع ويحمي مصالحه.
وتعود جذور الانقسام بين الشرق والغرب إلى مشروع توحيد ألمانيا الذي نُفذ عبر إدماج الشرق في البنية الاقتصادية والمؤسسية للغرب؛ إذ رافقت الخصخصة الواسعة للمؤسسات العامة موجة إغلاق للمصانع وتسريح للعمال وتراجع للمكانة المهنية لدى مجتمع بنى هويته حول العمل الصناعي. كما أحدثت الاستثمارات الاتحادية تحولاً كبيراً في المدن والطرق والخدمات والبيئة، فيما انتقلت ملكية الأصول ومراكز الشركات ومفاصل القرار إلى الغرب، ليشعر كثير من الشرقيين بالتالي بتقلّص سلطتهم على الاقتصاد والسياسة.
وفي حين استمرّت الفجوة بين الشرق والغرب في التعمق عبر تفاوت الإنتاجية والأجور والثروة الموروثة وحضور الشركات الكبرى، أدت هجرة الشباب المتعلّم إلى إضعاف مدن وبلدات كاملة، وتراجع الخدمات فيها، وارتفاع معدلات الشيخوخة السكانية. ومن ثمّ، جاء تركّز قطاعات النمو الجديدة والصناعات الدفاعية في الغرب ليعزّز الاعتقاد بأن التحولات الاستراتيجية تمنح تلك المناطق الوظائف والاستثمارات، فيما يُطلب من الشرق تأييد سياسات أمنية وعسكرية يتحمّل هو تكاليفها فحسب.
يتقدّم «البديل» بفارق واسع على «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» الحاكم
ومن هنا، يُفهم الحنين إلى أيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية، حيث ضمان الوظيفة والسكن والرعاية واستقرار العلاقات المحلية. وهو حنين لا يتأخر الحزب اليميني الرئيس في استغلاله، مشتغلاً على قولبة التفاوت الطبقي والإقليمي داخل لغة ثقافية تربط خسارة العمل بالهجرة، وضعف الخدمات بالإنفاق على اللاجئين، وتراجع السيادة بالاتحاد الأوروبي و«حلف شمال الأطلسي» ودعم أوكرانيا. وفي المقابل، تبقى الأسباب المتعلّقة بتوزيع الملكية ورأس المال والاستثمار بعيدة عن برنامج «البديل».
وفي هذا السياق، يُستدعى إرث أنجيلا ميركل -الذي انتقل إلى ميرتس-، القائم على امتصاص مطالب المنافسين، والاقتراب المستمر من الوسط، وإضعاف الفروق البرنامجية بين الأحزاب، وتحويل المعارضة إلى أطراف خارج المجال التقليدي. كما يُستدعى قرارها استقبال اللاجئين السوريين خلال عامي 2015 و2016، والذي أحدث صدمة داخل مناطق شرقية عانت من فقدان السكان والوظائف -نظراً إلى البطء في معالجة آثار التحول الاقتصادي بعد الوحدة-؛ وهو ما لم يتأخّر «البديل» في استغلاله أيضاً.
كذلك، مثّلت «جائحة كوفيد-19» مصدراً إضافياً لارتياب الشرقيين تجاه المؤسسات والإعلام والخبراء الرسميين، الذي تعزّز أيضاً مع الحرب الأوكرانية، خصوصاً في ظلّ الروابط التاريخية والثقافية والاقتصادية بين الشرق الألماني وروسيا، واعتماد الصناعة الألمانية على إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة طوال عقود. ولهذا، يلقى خطاب استعادة العلاقات مع موسكو صدى يتّصل بفواتير الطاقة وفرص العمل، بينما تبدو زيادة الإنفاق العسكري لكثير من الشرقيين سياسة تقرّرها النخبة الغربية وتستفيد منها أساساً مصانع وشركات تقع في ولايات ألمانيا الغربية الثرية.
وفي حين استند استقرار سنوات حكم ميركل إلى توازن اقتصادي جمع الصناعة التصديرية بالطلب الصيني والطاقة الروسية والحماية الأميركية، فإن ركائز هذا الاستقرار تعرّضت للاضطراب في وقت متقارب، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، واشتداد منافسة السيارات الآسيوية، وتزايد المخاوف على الوظائف الصناعية. ورغم أن ميرتس وصل إلى السلطة بخطاب يعِد بالقطيعة مع تلك المرحلة، فإن الحسابات السياسية قادته إلى ائتلاف مع «الاشتراكيين الديمقراطيين» وإلى سياسات دفاعية ومالية يصعب تسويقها. ومن ثمّ، تفاقمت أزمة المستشار عندما اقترب من مواقف «البديل» حول الهجرة.
ويحمل انتقال «البديل» إلى الحكومة مخاطر تختلف عن حضوره في المعارضة؛ إذ إن تولّيه إدارة الولاية يضع تحت سلطته التعليم والثقافة والشرطة وأجهزة محلية عديدة قادرة على التأثير في الحياة العامة، ويمنحه موقعاً داخل البنية الاتحادية -حيث يستطيع أيضاً توظيف مؤسسات الولاية الرسمية لترسيخ النفوذ الحزبي والضغط من أجل إعادة تشكيل المجال العام-. وفي المقابل، ستصطدم وعوده الانتخابية بقيود اقتصاد يحتاج إلى العمالة الوافدة والاستثمار الخارجي والتمويل الاتحادي والأوروبي.
أما «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» في الشرق، فيواجه انقساماً متزايداً بين تيار يتمسك بعزل اليمين المتطرف حمايةً للنظام الديمقراطي، وآخر يرى في ذلك طريقاً دائماً إلى حكومات هشة تستند إلى دعم اليسار، الأمر الذي يجعل نتيجة تصويت الأحد اختباراً لوحدة الحزب المحافظ أيضاً. وعلى أيّ حال، يبدو مصير ميرتس محسوماً سياسياً بصرف النظر عن توقيت خروجه من المستشارية. ورغم أنه قد يستطيع الاحتفاظ بمنصبه لمدة إضافية، إلا أن سلطته ستنكمش إلى إدارة مؤقتة لخسائر انتخابية متتابعة، فيما سينتقل النقاش داخل حزبه حتماً إلى اختيار شخصية أخرى قادرة على إعادة بناء العلاقة مع الشرق.




