رأي

النفط “العائم”.. حل مؤقت لكارثة على الأبواب

جياكومو لوتشياني – الجزيرة:

مع استمرار الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية- والتي باتت تداعياتها السلبية تترك آثارها جلية على أكثر من صعيد، خاصة في مجال الطاقة لتوقف بعض المراكز عن الإنتاج؛ بسبب إعلان القوة القاهرة في بعض دول الخليج؛ جراء الاعتداءات الإيرانية، وكذلك تهديد الملاحة في مضيق هرمز وإغلاقه أمام حركة السفن التجارية، خاصة ناقلات النفط – أصبح السؤال الذي يطرح بقوة: هل تستفيد روسيا من الحرب على إيران؟

وفي معرض الإجابة يمكن الزعم أنه على المدى القصير، ومن الناحية المالية البحتة، ربما نعم، وذلك يعود في الأساس إلى ارتفاع أسعار النفط والتعليق المؤقت للعقوبات الأمريكية المفروضة مسبقا.

ولكن على المدى البعيد، تمثل هذه الحرب حلقة أخرى في سلسلة الإخفاقات الإستراتيجية التي تكبدتها روسيا منذ حرب بوتين المتهورة على أوكرانيا.

فمن ناحية، تعد الحكومة الروسية واحدة من المستفيدين من ارتفاع أسعار النفط. لكن الدولة التي تجني عائدات كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة هي بالطبع الولايات المتحدة.

وبشكل أدق، المستفيد هو قطاع النفط والغاز الأمريكي، إلى حد كبير على حساب المستهلكين الأمريكيين المحليين، وجزئيا أيضا على حساب المستهلكين الأجانب الذين يعتمدون على الواردات من الولايات المتحدة.

بيد أن هناك دولا أخرى مصدرة للنفط مستفيدة أيضا، لكنها ليست دول الخليج: فإنتاج العراق، والكويت، وقطر شبه مقيد بالكامل، وتعاني السعودية، والإمارات من قيود على الصادرات، فضلا عن تحمل هذه الدول تداعيات الضربات الانتقامية الإيرانية.

وبالمقارنة، فإن التحول في وضع روسيا المالي يعتبر طفيفا، وتتحمل الصين العبء الأكبر من ارتفاع أسعار الطاقة؛ باعتبارها أكبر مستورد للنفط الروسي.

والآن، وبعد رفع الولايات المتحدة العقوبات عن روسيا مؤقتا، قد تعاود الهند استيراد بعض الكميات التي خفضتها بشكل حاد منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. فقد بلغت وارداتها من النفط الروسي حوالي 23 مليون برميل في ذلك الشهر، ثم انخفضت إلى نحو 18 مليونا في ديسمبر/كانون الأول، وأقل من 5 ملايين في يناير/ كانون الثاني 2026.


بالتوازي مع ذلك، تم تسجيل تراكم هائل لـ”النفط العائم” الخاضع للعقوبات، ويُقصد به النفط المحمل على الناقلات البحرية، ولكن في الغالب دون مشترٍ نهائي محدد بوضوح.

في نهاية شهر يناير/كانون الثاني، قدّرت وكالة الطاقة الدولية أن إجمالي حجم “النفط العائم” (الروسي والإيراني) الخاضع للعقوبات بلغ قرابة 200 مليون برميل؛ أي ما يعادل التدفق الطبيعي للخام والمنتجات النفطية من الخليج لمدة عشرة أيام. ومن المرجح جدا أن يكون هذا الرقم قد ارتفع بشكل كبير منذ بداية الحرب.

هذا يعني وجود كميات كبيرة من النفط الروسي غير المباع والمتاح في البحر. وجوهر قرار الرئيس دونالد ترمب، هو السماح لكبرى شركات التكرير الهندية بشراء هذا الخام دون الخوف من التعرض لعقوبات أمريكية.

ما المسار الآخر الذي كان بإمكان ترمب اللجوء إليه؟

بالنظر إلى طبيعة ترمب، كان من الممكن أن يكرر ما فعله مع فنزويلا، ويستولي على الناقلات المحملة بالنفط الروسي في عرض البحر، ولن تستطيع روسيا منعه من ذلك.

لكن الحكومة الهندية كانت سترفض على الأرجح التعامل معها. ومما سيترعي النظر أنه لم يتم تفريغ ناقلات النفط الفنزويلية التي تمت مصادرتها حتى الآن، وتكلف الخزانة الأمريكية ملايين الدولارات كرسوم صيانة وغرامات تأخير.

وبشيء من الحكمة، كان بإمكان ترمب اتخاذ تدابير لحماية مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما رفضت الولايات المتحدة القيام به حتى الآن.

على الأرجح، كان النفط الروسي الخاضع للعقوبات سينتهي به المطاف في الهند، أو الصين على أي حال. ذلك أن الصين لا تخضع للعقوبات المفروضة على الهند، ويبدو أن ترمب لا يرغب بالدخول في مواجهة مع الرئيس شي جين بينغ في الوقت الراهن.

لذلك، يبدو أن “الخدمة” التي يقدمها ترمب لبوتين لا تنبع من تحول حقيقي في الموقف السياسي -وهو ما اعتدنا عليه من ترمب حتى الآن-، بل من عدم وجود بدائل عملية. مع ذلك، سارع الاتحاد الأوروبي، وأوكرانيا إلى إدانة القرار الأمريكي باعتبار أنه سيؤدي في النهاية إلى إطالة أمد الحرب في أوروبا.

وبالنظر إلى أن الصين والهند تستحوذان معا على حوالي 50% من إجمالي صادرات النفط ومنتجاته القادمة من الخليج، فإن السماح للهند بالاستفادة من “النفط العائم” الروسي الخاضع للعقوبات، سيساهم في كبح جماح ارتفاع الأسعار.

بالإضافة إلى ذلك، ستتجه بعض كميات النفط الروسي الخام إلى مصافي التصدير الهندية، مما يعالج مشكلة النقص الوشيك عالميا في بعض المنتجات النفطية، لا سيما الديزل ووقود الطائرات. ويُعد النقص المحتمل في هذه المنتجات العامل الرئيسي الذي يدفع أسعار الخام نحو الارتفاع.

إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع؟

تعتمد الإجابة بالطبع على تطورات الحرب، ولكن هناك أيضا احتمال زيادة الصادرات من الخليج بفضل خط أنابيب “شرق-غرب” السعودي وخط “حبشان-الفجيرة” الإماراتي، وأيضا امتناع إيران عن تهديد الناقلات المتجهة إلى الهند والصين، وهما دولتان تدعمان احترام السيادة الإيرانية. وفي هذه الحالة، ستتراجع الرغبة سريعا في شراء النفط الروسي الخاضع للعقوبات.


في هذا السياق، لم تتمكن روسيا من ممارسة أي نفوذ يذكر فما يتعلق بمسار الحرب. فكما عجزت عن منع انهيار نظام الأسد في سوريا، أو إنقاذ مادورو في فنزويلا، أو وقف حظر النفط الكوبي، فإن موسكو لم تفعل شيئا لدعم إيران في مواجهة الهجوم الأمريكي الإسرائيلي. بوتين منشغل تماما بمغامرته في أوكرانيا، ولا يستطيع رد جميل إيران على الدعم الذي حصل عليه في السنوات الأخيرة.

كما أن روسيا غير قادرة على تقدير الدعم الذي قدمته لها دول الخليج العربي ضمن “أوبك بلس”، رغم تكرار طلبات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من الخليج بزيادة إنتاج النفط؛ لتهميش الصادرات الروسية. ومن المتوقع بالتأكيد أن يغير الوضع الحالي توازن “أوبك بلس” جذريا، سواء في الأشهر القادمة، أو على المدى البعيد.

لا نعرف متى سينتهي الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، لكن معظم المراقبين يعتقدون أنه لا يمكن أن يستمر طويلا، وإلا فقد يتأثر الدعم السياسي الذي يحظى به ترمب داخليا بشكل خطير.

ليس من الواضح ما إذا كان قطاع النفط والغاز في الخليج قادرا على العودة سريعا إلى الوضع “الطبيعي” بعد توقف الأعمال الحربية، ولكن من المؤكد أن جميع دول المنطقة ستخرج من هذه الأزمة برغبة قوية في زيادة إنتاجها وصادراتها، ولن تكون لديها رغبة كبيرة في ترك حصة كبيرة من السوق لروسيا.

لذلك، من المرجح ألا يستمر الرفع المؤقت للعقوبات على النفط الروسي، إذ لا أحد يحتاج إلى كميات كبيرة منه في السوق. وبالتأكيد، تُعد العقوبات المفروضة على الخام الروسي خيارا أفضل لدول الخليج من الدخول في حرب أسعار مفتوحة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى