رأي

الموت أهون”.. كابوس طفل فلسطيني في السجون الإسرائيلية

جاريد هيليل – مجلة “972+” الإسرائيلية:

في سن الـ15، فُصل زيد عن والديه، وتعرّض للضرب والتجويع. وهو واحد من مئات الأطفال الفلسطينيين الذين احتُجزوا في ظل تصاعد الاعتقالات عقب أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر.

في منتصف ليل 15 شباط/فبراير 2025، استيقظ أحمد على وقع جلبة خارج منزله الواقع بالقرب من رام الله في الضفة الغربية المحتلة. وبينما كان لا يزال يترنّح تحت وطأة النعاس، اقترب من الباب الأمامي، ليفاجأ بنحو 50 جندياً إسرائيلياً يشرعون في اقتحام المنزل عنوة.

وفي حديثه إلى مجلة “+972” الإسرائيلية، قال أحمد: “اضطررت للتراجع إلى الخلف؛ إذ كاد الباب أن يرتطم بوجهي”. وطالبه الجنود برؤية ابنه زيد، البالغ من العمر 15 عاماً، ولكن عندما قادهم أحمد إلى الصبي، ظنّوا أنه قد ضلّلهم؛ إذ يتذكّر أحمد قائلاً: “قال أحد الضباط: ’هذا ليس الشخص المطلوب، فهذا الفتى صغير جداً ويافع‘”. غير أنّ زيداً كان الصبي الذي يبحثون عنه؛ وحين قاوم، انهال عليه الجنود بالضرب. وتوسّلت إليهم والدته، ليلى، أن يتوقّفوا، لكنها أخبرت المجلة بأنّ ذلك “جعلهم أكثر عدوانية”.سحب الجنود زيداً إلى الخارج وألقوا به داخل سيارة جيب عسكرية، في حين رفض الضابط المسؤول إخبار والديه بالوجهة التي سيُقتاد إليها أو سبب اعتقاله.

وبينما كانت سيارات الجيب تتوارى في عتمة الليل، تمنّى أحمد وليلى أن يُطلق سراح ابنهما بسرعة. فهذه الاعتقالات غالباً ما تكون قصيرة الأمد ولا تتجاوز بضعة أيام، لكنها تحصل بكثرة ضمن آلاف المداهمات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية؛ بحيث وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” 7500 مداهمة في الأشهر الـ9 الأولى من عام 2025 وحده.

ويُعدّ زيداً واحداً من مئات الأطفال الفلسطينيين الذين مرّوا بتجربة نظام السجون الإسرائيلية في السنوات الأخيرة. ففي نهاية شهر حزيران/يونيو 2026، ووفقاً لبيانات منظمة حقوق الإنسان الإسرائيلية “بتسيلم”، كانت مصلحة السجون الإسرائيلية تحتجز 376 قاصراً فلسطينياً بتهم تتعلّق بـ”دواعٍ أمنية”، إضافة إلى 94 آخرين بتهمة الوجود غير القانوني داخل “إسرائيل”. وقبل ذلك بـ3 سنوات، ووفقاً لتقرير أممي، كان عدد القاصرين الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية يبلغ ثلث هذا العدد؛ ما يشير إلى ارتفاع حادّ في الأعداد منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر.

وتكشف المقابلات التي أُجريت مع زيد وعائلته، ومع مراهق آخر سبق اعتقاله، إضافة إلى ناشطين في مجال حقوق الطفل، عن آلية عمل هذا النظام، بدءاً من لحظة الاعتقال ووصولاً إلى مرحلة الاستجواب والمحاكمة؛ إذ يتمّ اقتياد الأطفال قسراً من منازلهم، وممارسة الضغط عليهم لانتزاع اعترافات منهم، وتمديد فترات توقيفهم بشكل متكرّر، واحتجازهم في ظروف قاسية وعزلهم كلياً عن عائلاتهم. وقد تمّ تغيير أسماء المراهقين الذين أُجريت معهم المقابلات، وكذلك أسماء والدَي زيد، حفاظاً على سلامتهم.

بعد اقتياد زيد من منزله، تقول ليلى: “ظللنا مستيقظين حتى بزوغ الفجر، وحينها اتصل أخي بالصليب الأحمر”. وبحلول الوقت الذي تمكّنت فيه العائلة من تأمين تمثيل قانوني، كان زيد قد اعترف بإلقاء الحجارة؛ إلا أنه ينفي الآن تلك التهمة بشدة، مؤكّداً أنّ اعترافه جاء نتيجة تعرّضه للضرب لساعات.

ومع ذلك، أتاح ذلك الاعتراف للمدّعين العسكريين الإسرائيليين توجيه اتهامات رسمية ضد زيد، الذي قضى الأشهر الـ9 والنصف التالية خلف القضبان. وقد وصف فترة احتجازه بأنها تضمّنت تعرّضه للضرب المتكرّر والتجويع والمرض، فضلاً عن حرمانه من التواصل مع عائلته بصورة شبه تامة.

“لا تتكلّم… وقّع فحسب”
منذ عام 1967، احتجزت “إسرائيل” نحو مليون فلسطيني، وتشير بعض التقديرات إلى أنّ ما يصل إلى 40% من الرجال الفلسطينيين قد تعرّضوا للاعتقال مرة واحدة على الأقل في حياتهم. وقد يقضي الفلسطينيون الذين يُحاكمون أمام المحاكم العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية فترات طويلة رهن الاحتجاز قبل بدء المحاكمة؛ إذ تُؤجَّل جلسات الاستماع بانتظام، ما يمدّد فترة الحبس الاحتياطي لأشهر أو أكثر. وهناك إجراء منفصل يُعرف بـ”الاعتقال الإداري”، يتيح لقائد عسكري إقليمي احتجاز شخص ما من دون توجيه أي تهمة أو إجراء محاكمة لمدة تصل إلى 6 أشهر. وعادةً ما تُصنَّف الأدلة على أنها سرية لدواعٍ “أمنية”، كما يمكن للقضاة تجديد أوامر الاعتقال بشكل متكرّر ولأجل غير مسمّى.

وفي هذا السياق، شهد عدد القاصرين الفلسطينيين الخاضعين للاعتقال الإداري ارتفاعاً حاداً؛ فقد أظهرت بيانات صادرة عن منظّمة “آباء ضد اعتقال الأطفال” (PACD) وجود 191 قاصراً محتجزاً في آذار/مارس 2026، مقارنةً بـ103 قاصرين قبل عام واحد. وكان من بين هؤلاء 50 طفلاً محتجزاً لأكثر من عام، مقارنة بـ6 أطفال فقط في العام السابق.

ويقول ناشطون حقوقيون إنّ الأوضاع تدهورت بشكل ملحوظ منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وصرّحت ألكسندرا سايح، رئيسة قسم التأثير الاستراتيجي العالمي والسياسات في منظمة “أنقذوا الأطفال” (Save the Children) الدولية، لمجلة “+972” قائلة: “إنّ احتجاز الأطفال الفلسطينيين ومحاكمتهم الممنهجة أمام المحاكم العسكرية ليس أمراً جديداً؛ فهي أزمة مستمرة منذ عقود. إلا أننا شهدنا تفاقماً في الوضع الحالي. وغالباً ما يجهل الأطفال المحتجزون رهن الاعتقال الإداري سبب احتجازهم، وكذلك ذووهم”.

أما في حالة زيد، فقد أتاح الاستجواب العنيف للسلطات الإسرائيلية توجيه تهمة رشق الحجارة إليه وحبسه لفترة طويلة. وذكرت سايح أنّ منظّمة “أنقذوا الأطفال” تلقّت بلاغات متعدّدة عن “إجبار أطفال على توقيع وثائق بلغة لا يفهمونها، ناهيك عن غياب أيّ تمثيل قانوني أو حضور محامٍ”.

وفي السياق ذاته، روى إبراهيم -وهو فتى يبلغ من العمر 15 عاماً من مخيم العروب للاجئين- تفاصيل تجربة مماثلة لمجلة “+972”. ففي شهر كانون الثاني/يناير، اقتحم جنود منزل عائلته وحطّموا الأثاث واقتادوه إلى قاعدة عسكرية في مستوطنة قريبة. وقال إبراهيم إنهم اتهموه في قاعدة “بيتار عيليت” بإلقاء زجاجة مولوتوف حارقة واعتدوا عليه بالضرب أثناء الاستجواب؛ وأجبروه على خلع ملابسه والاكتفاء بملابسه الداخلية، ومنعوه من استخدام المرحاض، كما عرض عليه أحد الجنود سيجارة في مرحلة ما قبل أن يطفئها في ذراعه.

وقد أخبر المحقّقون إبراهيم أنّ أصدقاءه أدلوا بشهادات تدينه. وفي هذا السياق، يقول: “أخبرتهم بأن لا علاقة لي بالأمر؛ فتنقلاتي كانت تقتصر على الذهاب من المدرسة إلى المنزل ومن المنزل إلى المدرسة”. وضغط عليه الضباط لتوقيع اعتراف مكتوب باللغة العبرية، لكنه رفض ذلك موضحاً أنه لا يجيد هذه اللغة. وعندما أحضروا له وثيقة باللغة العربية، أخبرهم بأنه لا يجيد القراءة. وفي مساء اليوم التالي، علمت عائلته بنبأ إطلاق سراحه، فذهب عمه لاصطحابه.

وفي حين أُطلق سراح إبراهيم لعدم توقيعه على أيّ اعتراف، أُجبر زيد تحت الضغط على توقيع اعتراف أدى إلى تمديد فترة احتجازه. ففي قاعدة “بيت إيل” العسكرية، سأله أحد القادة عمّا فعله في يوم اعتقاله، فأجاب زيد بأنه كان بصحبة أصدقائه؛ فردّ عليه القائد قائلاً: “روايتك لا تعجبني”. وانهالوا عليه بالضرب. وعلم زيد لاحقاً أنّ 2 من أضلاعه قد كُسرا. واستعاد تلك اللحظات المؤلمة قائلاً: “كان الألم شديداً لدرجة أنني عجزتُ عن التنفّس، عندها أخبرتهم بما أرادوا سماعه. وبعد أن قلت إنني رشقْتُ الحجارة، توقّفوا عن ضربي، وهكذا عرفتُ أنّ هذا هو ما كان يريدون سماعه”. وقُدِّمت له وثيقة ليوقّع عليها؛ فيقول: “سألتهم عما هو مكتوب فيها لأنني لا أجيد العبرية، فقالوا لي: لا تتكلّم، وقّع فحسب”.

من داخل سجن “مجدو”
منذ تولّيه منصب وزير الأمن القومي في “إسرائيل” عام 2022، دأب إيتمار بن غفير على الإعلان عن زياراته للسجون والتباهي بفرض ظروف أكثر قسوة على المعتقلين الفلسطينيين؛ وقد ازداد هذا السلوك الاستعراضي حدّةً مع اقتراب موعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2026. وفي مقطع فيديو حديث شاركه مع متابعيه، واجه وزير الأمن القومي نساءً فلسطينيات اشتكين من ظروف الاعتقال، مصرّحاً بأنه “فخور بنجاحنا في خفض ظروف سجن الإرهابيين إلى الحد الأدنى المطلق”.

أما بالنسبة لزيد، فكانت الظروف القاسية التي تفاخر بها بن غفير جزءاً من الحياة اليومية في سجن “مجدو” الواقع شمالي “إسرائيل”، حيث قضى معظم فترة اعتقاله. وقد ذكر أنه كان يتقاسم زنزانة مع 10 فتيان آخرين، في ظل إضاءة تظل مشتعلة على مدار الساعة. ولم يتمكّن من التحدّث إلى محامٍ إلا بعد مرور 4 أيام على اعتقاله، وذلك خلال جلسة محكمة؛ وكانت تلك الجلسة الأولى ضمن سلسلة طويلة من الجلسات التي انتهت جميعها بالتأجيل وتمديد فترة اعتقاله.

وإلى جانب تعرّضه للضرب المتكرّر، استذكر زيد معاناته مع الجوع لفترات طويلة قائلاً: “كانوا يحضرون طبقاً واحداً من الأرز لـ10 سجناء”. حلّ شهر رمضان بعد نحو أسبوعين من اعتقاله، واستمر الحرّاس في تقديم الوجبات خلال النهار بينما كان الفتيان صائمين، مما جعل الطعام الشحيح مكشوفاً لساعات؛ وعن ذلك قال زيد: “كان الطعام يصبح صلباً كالحجر وفاسداً أيضاً، فأصبنا جميعاً بمشكلات معوية حادة”.

وعلى غرار بقية الفتيان في زنزانته، أُصيب زيد بمرض الجرب، وهو عبارة عن عدوى جلدية تسبّبها طفيليات العث. وكان وضع أحد رفاقه في الزنزانة، وهو الفتى وليد أحمد (17 عاماً)، أكثر سوءاً؛ فقد عانى لأسابيع من الإسهال الحاد والدوار والقيء، وحُرم من الرعاية الطبية على الرغم من كلّ توسلاته.

وفي 22 آذار/مارس، وبعد مرور نحو شهر على اعتقال زيد، سقط وليد مغشياً عليه أثناء خروجهم اليومي إلى ساحة السجن؛ إذ ارتطم بعمود، وتدفّق الدم من وجهه وسط صرخات الفتيان طلباً للمساعدة. وحينها، وضع الحرّاس المراهق – الذي كان بلا حراك – داخل كيس أسود وسحبوه بعيداً. ويستذكر زيد تلك اللحظات قائلاً: “بعد وفاة وليد، شعروا ببعض القلق وبدأوا يزوّدوننا بالدواء، لكنّ ذلك كان بلا جدوى، فقد كنا جميعاً قد أُصبنا بالفعل بالجرب”. وقد خلص طبيب إسرائيلي لاحقاً إلى أنّ وليد كان يعاني من سوء تغذية حاد، مصحوباً بفقدان شديد في الوزن وضمور في العضلات. وحتى الآن، يُعدّ وليد القاصر الفلسطيني الوحيد المعروف بوفاته أثناء احتجازه لدى “إسرائيل”. وأكدت ساري باشي، المديرة التنفيذية لـ”اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل” (PCATI)، لمجلة “+972” الإسرائيلية أنّ “التعذيب وغيره من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة بات ممارسةً ممنهجةً بحق المعتقلين الفلسطينيين، ويؤسفني القول إنّ ذلك يشمل الأطفال أيضاً”.

لطالما دعت جماعات حقوق الإنسان والهيئات الدولية “إسرائيل” إلى تغيير أسلوب تعاملها مع الأطفال الفلسطينيين رهن الاعتقال. وفي حزيران/يونيو 2026، خلصت الأمم المتحدة إلى أنّ عمليات الاعتقال والاحتجاز ساهمت في خلق “شعور باليأس بين الأطفال لا يتطلّب استمرار القصف ليظلّ مفعوله قائماً”. ويرى خالد قزمار، المدير العام السابق للحركة العالمية للدفاع عن الأطفال – فلسطين، أنّ هذه الممارسة تشكّل جزءاً من مسعى أوسع لجعل حياة العائلات الفلسطينية في الأراضي المحتلة لا تُطاق. وفي تصريح لمجلة “+972” أشار إلى أنها “جزء من سياسة التهجير القسري والترحيل؛ وتهدف إلى جعل حياة الأُسر أكثر تعقيداً من خلال انتزاع أطفالها، الذين يفقدون بدورهم فرصهم في التعليم والصحة والحياة”.

ما وراء الضفة الغربية
في القدس الشرقية، تخضع إجراءات التعامل مع الأطفال الفلسطينيين عموماً للقانون المدني الإسرائيلي بدلاً من القانون العسكري. ومع ذلك، فإنّ الأطفال المتهمين بارتكاب “مخالفات أمنية” — وهي تهمة تُوجَّه بصورة شبه حصرية ضد الفلسطينيين — قد يواجهون أدلة “سرية”، وقيوداً على التواصل مع المحامين، وضمانات إجرائية أقل مقارنةً بالمتهمين في قضايا جنائية عادية.

أما الأطفال في قطاع غزة، فيخضعون لنظام قانوني مختلف تماماً؛ فبعد أن سحبت “إسرائيل” قواتها البرية الدائمة وأخلت المستوطنات من القطاع عام 2005، أُلغي العمل بالقانون العسكري هناك. وبدلاً من ذلك، يمكن احتجاز سكان غزة المشتبه في مشاركتهم في أعمال عدائية ضد “إسرائيل”، بما في ذلك المشاركة غير المباشرة، بموجب “قانون المقاتلين غير الشرعيين” لعام 2002، الذي يسمح بالاحتجاز لأجل غير مسمّى ومن دون محاكمة.

وفي تصريح لمجلة “+972″، أوضحت تيتي كارميل، المديرة التنفيذية لمنظّمة “آباء ضد اعتقال الأطفال” (PACD)، أنّه وفقاً لبيانات مصلحة السجون الإسرائيلية المتاحة لنا، يوجد حالياً ما بين 5 إلى 7 أطفال من غزة محتجزين بموجب قانون المقاتلين غير الشرعيين في منشآت تابعة لمصلحة السجون. ومع ذلك، لا نملك أيّ وسيلة لمعرفة ما إذا كان هناك أطفال آخرون من غزة محتجزين بموجب هذا القانون في مراكز احتجاز عسكرية”.

ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، استخدمت “إسرائيل” هذا القانون لاحتجاز 4000 شخص من سكان غزة، بمن فيهم عدد غير محدّد من القاصرين، وذلك وفقاً لأرقام نشرتها منظّمة “اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل” (PCATI). وخلال هدنة قصيرة في كانون الثاني/يناير 2025، أُطلق سراح 44 طفلاً من غزة في إطار عملية تبادل للمحتجزين بين “إسرائيل” وحركة حماس. وعقب وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، أُطلق سراح نحو 2000 فلسطيني، من بينهم عدد غير محدّد من الأطفال.

وتكشف شهادات أدلى بها قاصرون أُفرج عنهم من غزة تعرّضهم لانتهاكات جسيمة. ففي شهادة جمعتها الأمم المتحدة، أفاد صبيّ يبلغ من العمر 15 عاماً، كان قد اعتُقل خلال حملة اعتقالات جماعية في كانون الأول/ديسمبر 2023- بأنه قُيِّد وعُصبت عيناه ونُقل إلى مكان مجهول. وذكر أنه حُرم من الماء وأُجبر على شرب بوله، كما جُرّد من ملابسه بالكامل وتعرّض للضرب والاستجواب بشأن حركة حماس وهجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. وأضاف أنه تعرّض للتعذيب بشكل متكرّر طوال فترة احتجازه التي استمرت 54 يوماً، بما في ذلك الصعق بالكهرباء عبر إبرة غُرست في كتفه. وفي النهاية، أُطلق سراحه عبر معبر “كرم أبو سالم” ونقلته إحدى وكالات الإغاثة إلى مدرسة.

ويقول بعض المعتقلين المفرج عنهم إنهم تلقّوا تحذيرات بشأن الحديث عن المعاملة التي تعرّضوا لها. فقد أفادت منظّمة “الضمير” الفلسطينية لرعاية الأسير وحقوق الإنسان بأنّ نساءً وأطفالاً أُطلق سراحهم في صفقة تبادل الأسرى في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، ذكروا أنّ المحقّقين الإسرائيليين هدّدوا بإعادة اعتقالهم في حال أجروا مقابلات إعلامية حول ظروف الاحتجاز وما تعرّضوا له من إساءة.

وبالنسبة لكارميل، قد يكون فصل الأطفال المسجونين عن عائلاتهم هو الجانب الأكثر إيلاماً في تجربة الاعتقال. “فمنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، جرى منع الزيارات بالكامل، وحُرِم المعتقلون حتى من إجراء المكالمات الهاتفية”.

أما زيد، فقد كان قلقه على عائلته يفوق قلقه على نفسه أثناء فترة سجنه، بحيث قال: “كنت أرغب في إخبارهم بما يحدث داخل السجن، لكنني لم أستطع”. وكانت وسيلته الوحيدة لإرسال رسالة هي عبر فتيان أُطلق سراحهم وكان بإمكانهم التواصل مع أهالي من لا يزالون رهن الاعتقال. ولم يتسنَّ لوالديه رؤيته إلا أثناء جلسات المحكمة، حيث كانا يجلسان في غرفة منفصلة ويتابعانه عبر رابط فيديو.

وعندما رأت ليلى زيد للمرة الأولى بعد أسبوع من اعتقاله، أصيبت بالذعر؛ وتستعيد تلك اللحظة قائلةً: “كانت آثار الضرب جليّة على وجهه والخدوش تغطي عنقه”. كما أثّر التوتر الناجم عن تكرار جلسات المحكمة سلباً على صحتها؛ فقد كان يتم إبلاغ الوالدين بتاريخ الجلسة من دون تحديد موعدها الزمني، الأمر الذي يضطرهما للوصول في الـ9 صباحاً والانتظار أحياناً طوال اليوم في غرفة باردة. وبعد إحدى الجلسات التي استغرقت وقتاً طويلاً بشكل خاص، عادت ليلى إلى المنزل وانهارت من التعب ولزمت الفراش مدة أسبوعين. وقال أحمد: “طوال شهر رمضان تقريباً، لم نتمكّن من تناول طعامنا كالمعتاد”.

عُقدت 12 جلسة استماع، انتهت كل منها بتأجيل جديد. وقال أحمد: “كنا نتابع بقلق الأخبار الواردة من سجن مجدو”. وفي الجلسة الأخيرة، عُرض على زيد خيار الإقرار بالذنب؛ فوافق على ذلك، وحُكم عليه بالسجن لمدة تعادل الفترة التي قضاها بالفعل رهن الاحتجاز، ثم أُطلق سراحه في اليوم التالي. ومنذ عودته إلى منزله، سعى زيد ووالداه إلى استعادة حياتهم الطبيعية؛ فالتحق زيد -الذي يبلغ اليوم 17 عاماً – بمدرسة مهنية ليتخصص في مجال ميكانيك السيارات. ومع ذلك، لم يمنحه إطلاق سراحه سوى القليل من الطمأنينة والشعور بالأمان. وفي هذا الإطار، تقول كارميل: “حتى عند إطلاق سراحهم، يظل هؤلاء الأطفال يجهلون ما اقترفوه أو كيف يمكنهم تجنّب الاعتقال مجدداً. وهذا الأمر يولد خوفاً عميقاً من أنّ حياتك قد تتوقف فجأة في أي لحظة، من دون توضيح الأسباب حتى”.

وفي هذه المرحلة، يحاول والدا زيد إبعاده تماماً عن الجنود؛ فهما لا يسمحان له بعبور نقاط التفتيش ويستدعيانه للعودة إلى المنزل كلما داهم “الجيش” القرية. وتقول ليلى إن ابنها قد تغيّر؛ “فقبل فترة سجنه كان شخصاً هادئاً، أما بعدها فقد أصبح سريع الانفعال لدرجة أنه لا يمكن حتى التحدّث معه”. ويشير أحمد إلى أنّ زيداً يعاني من الكوابيس. وعندما يتحدّث زيد عن فترة اعتقاله، يحاول الحفاظ على رباطة جأشه، ويقول إنه يحاول ألا يفكّر في الأمر إلا في أضيق الحدود. لكن عند سؤاله عما سيفعله إذا جاء الجنود لاعتقاله مجدداً، أجاب: “سأركض لكي يطلقوا النار عليّ؛ فأنا أفضّل الموت على العودة إلى هناك”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى