رأي

المغرب والخليج: شراكة تصنع الاستقرار وتفتح آفاق التنمية

محمد الصالحين الهوني – العرب:

الشراكة المغربية – الخليجية أثبتت قدرتها على الصمود أمام الأزمات متجاوزة الروابط التقليدية لتصبح تحالفا إستراتيجيا يقوم على الأمن والاستثمار والشرعية الدولية المشتركة.

المكالمات التي أجراها الملك محمد السادس مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي في أعقاب التوترات الأخيرة في المنطقة لم تكن مجرد واجب بروتوكولي، بل تأكيدًا على شراكة تعمّقت على مدار عقود حتى باتت تتجاوز المفهوم التقليدي للعلاقات العربية – العربية. ما يميز هذه العلاقة هو طابعها متعدد الأبعاد؛ فالأمن يبقى ركيزتها، لكن الشراكة امتدت لتشمل المرونة الاقتصادية وتدفقات الاستثمار والتحول التكنولوجي، في انتقال واضح من التنسيق الدبلوماسي المتقطع إلى تحالف إستراتيجي ذي أفق طويل المدى. هذه العلاقة تمثل اليوم نموذجا عربيا يؤسس لمنهج جديد في الاستقرار والتنمية.

تنفرد العلاقة المغربية – الخليجية بأنها تقوى في الأزمات دون أن تفتقر إلى المضمون في أوقات الهدوء. عندما اندلعت التوترات الإيرانية الأخيرة، أعلن وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة عن تمديد خطة العمل المشترك بين المغرب ودول الخليج لتشمل الفترة الممتدة بين 2025 و2030، مع التركيز على توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، مضيفا أن تضامن المغرب مع حلفائه الخليجيين يندرج ضمن رؤية إستراتيجية أشمل تهدف إلى دعم الاستقرار في العالم العربي. أُرسيت أسس هذه الشراكة في قمة المغرب ومجلس التعاون عام 2016، حين تجاوز الطرفان التعاون المتقطع نحو تحالف منظّم وبعيد المدى.

وفي ملف الصحراء المغربية تحديدا، كان الدعم الخليجي حاضرا وثابتا، مما أسهم في إعطاء الموقف المغربي زخما دبلوماسيا في المحافل الدولية. وفي عام 2025، انتزع المغرب قرارا من مجلس الأمن الدولي يُكرّس مخططه للحكم الذاتي، وهو انتصار دبلوماسي متعدد الأطراف لم يكن ممكنا دون تنسيق وثيق مع شركاء إقليميين محوريين. هذا الدعم المتبادل ليس مجرد تضامن رمزي، بل هو استثمار متبادل في الشرعية والنفوذ الدولي.

هذه العلاقة الناضجة تمثل نموذجا عربيا للتعاون، حيث يلتقي المال والخبرة والإنسان معا لتأسيس استقرار طويل المدى وفتح آفاق تنموية تتجاوز الجغرافيا والظرفية

البُعد الاقتصادي لهذه الشراكة ربما يكون الأكثر تجليا ودلالة على مدى نضجها. فمنذ إطلاق مجلس التعاون الخليجي صندوقا للتنمية لتمويل مشاريع البنية التحتية والإسكان والطاقة في المغرب عام 2013، تدفقت رؤوس الأموال الخليجية بانتظام، وكان أبرزها مشاركة شركة “أكوا باور” السعودية في بناء مجمع نور ورزازات الشمسي، أحد أكبر مرافق الطاقة المتجددة في العالم. وقد تجاوز التعاون حدود مشروع بعينه ليُشكّل نمطا استثماريا راسخا. فقد قفز الاستثمار الأجنبي المباشر في المغرب بنسبة 59 في المئة في النصف الأول من عام 2025، في وقت تواجه فيه تدفقات الاستثمار العالمية نحو الاقتصادات النامية ضغوطا متزايدة. وما يجعل هذا الرقم لافتًا هو أن الاستثمار الخليجي يأتي بروح متحررة من المنطق قصير النفس الذي يسيطر على رؤوس الأموال في أوقات الاضطراب.

ما تجده صناديق الثروة السيادية الخليجية في المغرب قبل أي شيء آخر هو الاستقرار المؤسسي؛ فالاستمرارية السياسية ومسار الإصلاح التدريجي والانضباط الاقتصادي الكلي أوجدت بيئة سياسية يتطور فيها التغيير بصورة تدريجية لا مفاجئة، وهو ما تبحث عنه تحديدًا رؤوس الأموال ذات الأفق البعيد التي تدير ثروات وطنية لأجيال قادمة. وقد وسّع صعود عقود التصدير المتكاملة في صناعات السيارات والفضاء والمعادن الحيوية مكانة المغرب في سلاسل الإمداد العالمية، مما جعله وجهة مفضلة وسط جهود غربية لتقليص الاعتماد على سلاسل الإمداد الصينية.

وفي الأفق، يستهدف المنتدى المغربي – الخليجي للاستثمار الذي يُعقد دوريًا في الدار البيضاء توسيع فرص الاستثمار في الطاقة المتجددة والبنية التحتية وتقنيات التصنيع الحديثة، مع الاستفادة من الموقع الإستراتيجي للمغرب كبوابة استثمارية نحو أوروبا وأفريقيا.

يمثّل التعاون المغربي – الخليجي نهجا في إدارة التحديات يتجاوز الاستجابة التفاعلية نحو التخطيط الوقائي المشترك. فقد أكد وزير الخارجية المغربي أن مفهوم الأمن القومي بات يشمل بصورة متزايدة المرونة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي وقدرة الدول على تأمين الاحتياجات الأساسية لمواطنيها في أوقات الأزمات. وهو تحول في التفكير الإستراتيجي العربي يضع أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي في مصاف المكونات الحرجة للأمن القومي والإقليمي.

حين يلتقي المغرب والخليج، لا تلتقي مجرد حكومات تتبادل المصالح، بل تلتقي رؤية إستراتيجية مشتركة تؤمن بأن الاستقرار العربي يُبنى بالتعاون؛ بالمال والخبرة والإنسان معا

المغرب، بخبرته الطويلة، يُقدّم لشركائه الخليجيين خبرة مؤسسية لا يُستهان بها في التعامل مع التحديات الأمنية غير التقليدية، وفي المقابل يُوفّر الخليج دعمًا ماليًا وسياسيًا يُعزز قدرة المغرب على الاستثمار. هذا التكامل بين الخبرات والموارد يجعل التحالف المغربي – الخليجي أكثر من مجرد تضامن إعلاني؛ إنه شراكة في بناء القدرات.

تحت سطح التحالف السياسي والمعادلات الاقتصادية، يتدفق نسيج إنساني يمنح هذه الشراكة عمقًا يصعب قياسه بالأرقام. فمئات الآلاف من المغاربة يعيشون ويعملون في الإمارات والسعودية والكويت وقطر والبحرين، يُشكّلون جسرا حيا بين ثقافتين تشتركان في الأصول الإسلامية والموروث العربي مع احتفاظ كل منهما بخصوصيتها وتفرّدها.

البرامج المنهجية، من المنح الدراسية إلى الشراكات الجامعية والمبادرات الثقافية، تحوّل الجسر الاقتصادي إلى جسر إنساني يُرسّخ أسس التعاون على المدى البعيد من خلال الاستثمار في الإنسان بقدر ما يُستثمر في البنية التحتية. وفي الاتجاه المعاكس، يجد الزوار الخليجيون في المغرب فضاء جامعا بين الألفة الثقافية والانفتاح على التنوع: مدنا تجمع الروح الأندلسية بالنفَس الأفريقي والحداثة الأطلسية في تركيبة لا توجد في مكان آخر.

وقد كشفت الاضطرابات الأخيرة في منطقة هرمز وما صاحبها من تقلبات في أسواق الطاقة العالمية عن قدرة الشراكة المغربية – الخليجية على الصمود أمام التحديات. وجاء الاجتماع الوزاري المشترك بين الجانبين تجسيدا عمليا لرؤية الملك محمد السادس التي عبّر عنها في قمة المغرب والخليج عام 2016، مؤكدا أن هذه العلاقة لا تستند فقط إلى الروابط الثقافية والدينية، بل تقوم أيضا على القيم والمصالح المشتركة وهواجس الأمن المتقاطعة.

ما تحتاجه هذه الشراكة في مرحلتها القادمة هو الانتقال من التنسيق إلى التكامل الهيكلي، أي بناء مؤسسات مشتركة وآليات عمل دائمة لا تتوقف فاعليتها على الإرادة السياسية اللحظية. صندوق استثمار مشترك تحت إدارة مزدوجة، ومنظومة تعليم مهني تُعِدّ الكوادر الشابة من الجانبين للعمل في بيئات متكاملة، وشبكة بحث علمي تربط بين مراكز التميز في المغرب وجامعات الخليج – هذه ليست أفكارا طوباوية، بل خطوات قابلة للتنفيذ في سياق شراكة وصلت إلى درجة من النضج تتيح لها الطموح.

حين يلتقي المغرب والخليج، لا تلتقي مجرد حكومات تتبادل المصالح، بل تلتقي رؤية إستراتيجية مشتركة تؤمن بأن الاستقرار العربي يُبنى بالتعاون؛ بالمال والخبرة والإنسان معا.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى